سيزيف مصري

في الأسطورة الأغريقية، سيزيف في الجحيم وعقابه أن يرفع صخرة من القاع حتي قمة جبل شاهق، وقبل أن يصل بقليل تسقط منه لأسفل، فيعود ليبدأ من جديد، بلا نهاية. ما أشبه ذلك بنا، أولادك يا بلدي

Saturday, October 07, 2006

تأملات حول نجيب محفوظ ونص مسرحي لياسر علام مستلهم من حرافيشه



نجيب محفوظ ميراث الجِّد والجَّّد

ما إن يدع المرء لتأملاته العنان في مداعبة الفضاء الدرامي المحيط بنجيب محفوظ المبدع والإنسان حتى يرتد إليك البصر وهو حس يرى، لكن أيرى ما لا يراه الناظرون! هذا ما لا يمكن حسمه. كشأن أي ما يتعلق بهذا المارد الذي لم يقبل يوماً الدنية في فنه. وقبل أن نسقط في هالات التقديس التي تجرنا لها أعراف الكتابة بحبائلها اللامتناهية، ناهيك عن لحظة رحيله الحاشدة، نقف قليلاً عند هذا الموضع ذاته- موضع فعل الكتابة- لنستلهم واحداً من أهم دروس الراحل المعلم

يرد الكثيرين تشكل لحظة التنوير العربية للحظة الوعي بالذات في مواجهة الآخر أثناء الحملة الفرنسية على مصر والشام، والتي كانت صدمة حضارية كشفت البون ما بين شعارات الثورة الفرنسية التنويرية وممارساتها الاستعمارية، ويشخص البعض حالة المبدع هنا بأنها قد جدلت من ضفيرتين؛ ضفيرة انتظار هذا التنوير، وضفيرة مجيء هذا التنوير في صيغة استعمارية، لتنتج مبدعنا الفريد؛ مبدعاً يعادي الآخر بقدر ما يتتلمذ عليه، ويستلهمه بقدر ما يلفظه. فتكون حالات جلد الذات في رحاب حضور الآخر التي تحفل بها الكتابة العربية عموماً، من مسرحيات لقصائد لروايات ومنذ بكوريتها الحديثة

ولا شك أن الرومانتيكية كانت هي الصيغة المرجحة في تلك اللحظة للانتخاب من لدن هذا الهائج المائج –أعني المبدع هنا-. فحدث هذا الانتخاب لتتجلى انعكاساته ليس في الكتابة -فهذا أمر تجاوزه جيل محفوظ ببساطة-، ولكن الأهم في الوعي بالكتابة ووظيفتها ورؤية العالم لدى المبدع. وهو ما لم ينج منه إلا قلائل كان على رأسهم نجيب محفوظ، لكن دعنا نلخص ما الذي نعنيه على وجه التحديد بالوعي الرومانتيكي بالذات والعالم لدى المبدع
ننطلق من أن الرومانتيكية هي؛ هذا المشروع الذي عد بحق تجلي ثقافي لصعود البرجوازية وامتلاكها مقاليد الحكم، هي إذن الوجه الثقافي مثلما كانت الثورة الفرنسية هي الوجه السياسي لهذا الصعود. ثم جاء وعي الفنان بالبون بين الشعارات السامية والممارسات التوسعية هو نقطة التوتر القصوى للرومانتيكية
والشاهد أن الرومانتيكية في هذا الفضاء تكونت لتكون مشروع قوامه؛ الفردية، الذاتية، الاغتراب، الانتحاب، الانفصال، التسامي، التضحية، الغموض، الجموح. ويمكن فك تلك القيم سواء على المستوى الجمالي أو الفكري، لتنطبق إلي حد بعيد، فمثلاً لم يقتصر الأمر على تمرير تلك القيم في الخطاب الدرامي العام للمبدعين، بل أن التكنيك الفني بالتبعية تأثر بذلك، فحرن على المصنفات الفنية التقليدية من قصيدة لقصة إلخ، وعمد لتداخل لا نهائي بين هذا وذاك وإن كان الذي يهمنا هنا كما أسلفنا ليس الكتابة في حد ذاتها، بل وعي الكاتب بالعالم وبذاته، والذي سيتشكل في ضوئه فعل الكتابة لديه.. بمعنى ثاني لا يعنينا تتبع المنتج الفني الثقافي المكتوب، بقدر ما يعنينا تأمل فعل الكتابة ذاته لدي المبدع

حسنا لنعود للمبدع وفقاً للتصورات الرومانتيكية، أنه هذه الذات المحبة المتألمة المعذبة لابن السماء والذي ينتمي للتراب لأرضي انتماء –إلي حين-، انتماء الغرض منه تبليغ تلك الرسالة المتعالية التي لن تفهم في الغالب، والتي قد يفني في سبيل توصيلها لكنه غير مخير في أداء هذا الواجب، لأنه هكذا شاءت المحبة المجردة المطلقة. وهذه الرسالة ستكون بلسان هذا المبلغ وهي قد تحوي من التشفير ما يصعب على الإنسان العادي الوصول إلي مراميها البعيدة، لكنها ستجذب المختار المؤهل من الناس ليلحق بالمبدع، ثم يستكمل مسيرته ولو بعد حين، أي بعد صعوده هو لعليائه. الصورة المعروضة هنا،هي بمد الأمر على استقامته، أو هي التصور الرومانتيكي في تطرفه النهائي

هذا التصور لن أقول أنه ظل في لا وعي الكاتب هنا لعقود فحسب، بل أقول أن ترسيباته مازالت حاضرة وجاثمة في أعماق كثيرين من مبدعينا إلي الآن. وواحدة من مآثر نجيب محفوظ الكبرى -بالرغم من تقديره الكامل واعترافه بأستاذية من وقفت حدود تجربتهم عند هذا الوعي- أنه، أي محفوظ، قد أعطي النموذج المضاد لهذا التصور على طول الخط. فهو لم يكن يوماً المبدع المنفلت المتمرد الغريب المعزول سلوكياً والذي يروج له الرومانتيكيون، ولم يكن هو هذا الملهم الذي ينتظر لحظة التجلي المفارقة والتي تأتيه عبر الوحي، بل على العكس كان هذا الحرفي الدءوب الذي لم يكن يستلقي في انتظار الفيض العبقري الذي يأتي وحده فهو المختار -من قبل العناية الفنية لتوصيل رسالتها-، بل كان بالمعنى الحقيقي والمجازي هذا الموظف الذي يصحو فيستعد، ثم يجلس ليعمل، يطور، يكتشف، يجرب، يختبر، يدقق، ينتج. ولم يكن في مظهره الخارجي إلا مثل غيره من الناس. وكثيراً ما قال أنه مثل أي رب حرفة يحاول أن يتقن عمله

إن مقولات مثل (التلقائية)، (العبقرية)، (الوحي الفني)، (الغموض) شأنها شأن أن مقولة أخرى في تعامل محفوظ معها، إنها أبداً لم تكن قيم حصينة ومركزية تحكم عالم الإبداع. بل على العكس كانت مقولات يستطيع الفن نفسه مراجعتها واختبارها ومشاكستها. بالرغم من الميل الشائع لاعتبارها أساس وجوهر الممارسة الإبداعية، ولنا هنا وقفة، فنحن هنا سنخرج قليلاً عن حدود تأمل فعل الكتابة.

واحدة من أكثر الأمور المثيرة في اللعبة الفنية في القرن العشرين، رغبة الفنان في كشف الممارسة الفنية ذاتها، وعدم الاعتماد على الإيهام في إعطائها رونقها، بمعنى أن الفنان كحرفي صار غير معنى بجعل الممارسة الفنية ممارسة غامضة ومخبوءة لا يعرف المتلقي عنها شيء. أي إن عبارة (سر المهنة) لم تعد تعني شيئاً لكثيرين، بل أن الفنان عني بعرض أدواته وأساليبه بشكل مكشوف في عمله؛ ففي مسار الفن التشكيلي مثلاً، غلبت ألوان صريحة غير مخففة، وإيقاع حقيقي للفنان يظهر في عمله، بناء على انفعاله لحظة العمل، انفعاله هو، وليس بناء على الانفعال الإيهامي المطلوب للعمل وموضوعه. لماذا لا يكون موضوعه الفنان ذاته!، و صعوبات الحرفة الفنية ذاتها!، وشقاء الفنان بها ومنها! أليس من حق من يعبر عن الأطباء، والجزارين، والبوسطجية، التعبير عن حرفته ذاتها، وبأدواتها؟! كل ذلك صار مادة مغرية للفن في العصر الحديث. جاء هذا التعرض على مستوى الأفكار والقيم و جاء على مستوى التكنيكات والأساليب والجماليات، وهو ما أقحم المتلقي في فضاء الميتا-فن.


وإن كان محفوظ على المستوى السلوكي قد قدم نموذج عملي وعقلاني ومنضبط للفنان يناقض التصور الرومانتيكي الشائع في وعي الكتاب بوظيفتهم، وفعل الكتابة لديهم كما أسلفنا، وإن كان هو هذا الموظف الواقعي المجتهد في عمله، إلا أنه لم يرفض الآخر، وإن لم ينتخبه لنفسه سلوكياً. وكان المحفل الذي عرض فيه لأنماط مغايرة للفن والفنان في أعماله ذاتها، فهو قد تعرض في بعض أعماله بشكل مباشر أو غير مباشر للممارسة الفنية. وواحدة من مزايا كتابة محفوظ أنه يصعب أن تحاول حصرها ضمن تأويل نقدي تفسيري شارح أي ما كان، فهي الأخصب من أن ترد إلي مقولات خبرية تقريرية. والواقع أنه ما أن يحصن مقولة في سياق درامي معين، حتى يراجعها في نفس العمل بعد مرور أجيال، أو بوعي مغاير يستقرا ما حدث بأفق أخر. والواقع أو العالم خارج الرواية لا يستطيع دائماً أن يعطيك مفاتيح وصلاحيات معايرة قيم الداخل، بمعنى ثان، أن ما تعلمته في الحياة لا يغني عنك كثيراً في تحصيل ما تطرحه الرواية.
نعود لمسألة الممارسة الفنية التي نجد لها حضور في كثير من أعماله..مثلا في الحرافيش وفي أولاد حارتنا، وفي قلب الليل. وهو حضور خاص في كل حالة يختلف إلي حد بعيد عن الآخر. تجمع بين الروايات الثلاثة، أن أحداثها تتشكل في رحاب جد مؤسس ومسيطر، ويصعب فهم تجربة أحفاده بمعزل عن مشروع الجد التأسيسي.

لنبدأ بأولاد حارتنا يقدم فيها محفوظ الممارسة الإبداعية بطريقة خاصة وفي لحظة خاصة وبشكل خاص. لنقل مثلاً أننا اصطلحنا على اعتبار اللون الرمادي هو اللون غير المحدد، وحين نصف شخص بالرمادي نعني بذلك أنه عصي على التصنيف، ويعرف هذا الأمر بالمرجعية الخارجية للعلامة. حيث أنها مرجعية تم تشكلها في العالم خارج الرواية. محفوظ أحياناً يبدأ من مرجعية خارجية للعلامة، ثم يطورها هو عبر النسيج الروائي لتتحول العلامة ويصير لها مرجعيتها الداخلية في السياق. ولنبدأ مثلاً هو يعرض لنا أحداث الجبلاوي في أولاد حارتنا في الفصل الأول، بما يكاد يكون مرجعية خارجية عن لحظة الخلق كما صورتها الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام.
لكن ما إن تمتد الحكاية حتى تتحول العلامة في الفضاء الروائي إلي الجبلاوي، في وعي الفردي والجمعي للراوي ولحظته الزمنية، أي بعد أن تمضي السنوات وتمر العقود، وتأتي أجيال وتذهب أجيال، نستمع للحكاية ذاتها مرة أخرى، هذه المرة ليس على يد الراوي الأصلي للرواية ولكن على لسان الرواة الداخليين، الرواة الحاكين والمحكي عنهم في الوقت ذاته، أنه رواة المقاهي يحكون ما وصلهم وما تساقط لديهم عبر تاريخ الحارة الطويل. يحكون على الربابة، هنا نجد التزاماً غير حرفياً بما سبق أن رأيناه نحن على يد الراوي الأصلي، أو الراوي المحقق إن صح التعبير، ولا نمتعض لذلك، ولا نتهم فنان الربابة في هذا العصر أو ذاك، بأنه لم يقدم التاريخ كما هو، بل إن تطور الوعي بالجبلاوي وحكايته، عبر المفكرين الكبار الثلاثة، الذي حاولوا استلهام أفعاله، ومعرفة إرادته في حارته، ونقلها للناس واستلهامها في أفعال تخدم الكل سواء على يد رفاعة أو قاسم أو جبل، إن وعي الجماعة يتطور خلال الرواية، منذ لحظة الجبلاوي، وحتى عصر الرواية الجديدة، ونعني بها هنا رواية الراوي على الربابة، يتطور هذا الوعي، ويطور الحكاية ذاتها، لمقتضيات اللحظة الراهنة، هكذا لا يكون الفنان محرف للتاريخ، بقدر ما هو قاريء له بوعي معاصر، وتلك لعمري قضايا فنية لا تكاد تمر سنوات إلا ويعاد فتحاها، وما شفرة دافنشي منا ببعيد..

فإذا ما تركنا أولاد حارتنا المثيرة دائماً، للنظر إلي ملحمة الحرافيش البديعة، لوجدنا فيها الأمر ذاته ولكن بمعادلة مختلفة -إلي حد ما-، فالموضوع هنا لا يقتصر على محاولة معرفة إرادة الجد الكبير مثل السابق، والاجتهاد في تفسيرها، بل أن الناجي الكبير لا يتحول إلى مدلول متعالي لا يمكن مناقشته أو مناقشة إداراته إلا بقتله كما حدث في أولاد حارتنا، أو على أحسن تقدير ادعاء شي باسمه مثل الجبلاوي، بل إن (الناجي) ينتقد صراحة ويراه البعض من أحفاده ليس سوى لص، وفعله غير محصن ومنذ لحظة التأسيس ذاتها، على عكس الجبلاوي الأزلي، وكأننا هنا في مواجهة بين الأسطورة والملحمة..

إن الجد (الناجي) بطل إنساني ملحمي بمعنى الكلمة، وحين يكتب محفوظ كلمة ملحمة على روايته فهو يعلم جيداً ما يفعل، فإن قال لوكاتش "إن الرواية هي ملحمة البرجوازية"، محفوظ يستطيع أن يعيد خلق الملحمة بعد أن يضيف إليها كثير من المنجزات التقنية الدرامية دون أن يقع في فخ التعبوية الملحمية المغرقة بشعبها، أو في فخ التثاقف الروائي المتعالي ألتعالمي، إنه يصنع من نبيذه ما يصعب تصنيفه، وهو يراجع بطله المؤسس للملحمة مراجعات مباشرة وغير مباشرة، يراجعه في نسله الذي تظهر به طفرات تجعلك تعيد النظر في هذا السلف من أساسه، فإن كانت الملحمة هي هذا الوعاء التبريري الحاشد لأمه تزهو فيه بأبطالها مستلهماهم في لحظات البناء، فإن الهدم والإحلال هو فعل لا يقل أهمية في هذا الموضع، فمن أرادها من هنا له ما أراد، ومن أرادها من هناك فله ما أراد.. وإن كانت الأسطورة تبدأ من الإلهي وتنتهي بالبشري، فمسخ الكائنات راصد الأساطير يبدأ من بدء الزمن (الإلة كورنو) حتى يوليوس قيصر البشري، وكذا الإبستاق من الشاهنامة يبدأ بكيومرت مسخر الأشياء وتنتهي بسعد أبن أبي وقاص.. وأما الملحمة فتصعد من الأرضي والبشري ببطل تصعد به بطولته لمسار إعجازي، لكنه يسقط في مواجهة الأزلي، وينهزم انهزام يكون فيه أشبه بالمنتصر، ولو بحفر أسمه في سجل الخالدين، وهذا هو شأن عاشور الناجي وسط الحرافيش. والفن في عرضه للملحمة، لا يقتصر على الوعي التاريخي المتغير، والمتساوق مع السلطة الزمنية المتمثلة في الفتوة وشكل إدارته للحارة، أي أن الفن لا يقدم عاشور وعهده وحلمه دائماً بطريقة واحدة، بل بما يناسب مقام فتوة اللحظة، وما يراد أن يقدم له من قبل الحرافيش من طقوس إزعاج أو إذعان. لكن نمط فني مغاير يظل سابت وسادر وسرمدي، هو الغناء الملغز الصادر عن التكية والمؤرخ لما يحدث بطريقته، التي تغمض حتى عن القارئ ولا تقدم له أي مفاتيح لحل استغلاق تلك الكلمات المحكم، إنه الفن الذي يراوغ مفهوم المتلقي القادر على فك التشفير، إلي المتلقي المجتبى للفهم، ليكون أقرب للنخبوية الإصطفائية الرومانتيكية التي أسلفنا لإشارة إليها.

و في رواية (قلب الليل) نجد حضور أيضاً لشخصية جد مفارق مثل الناجي و الجبلاوي، لكنه المثيل بقدر من المشابهة وقدر من الاختلاف. وتكون علاقته بالفنان راوي الحكاية علاقة إشكالية، فهو ليس مثل الناجي الجد الملحمي. وليس مثل الجبلاوي الجد الأسطوري. هنا نجد شخصية جعفر الراوي ضد الراوي الكبير وفي خلاف تاريخي معه أذلي معه. وهنا يحدث المزج السحري فيتحول البطل إلي راوي، والراوي إلي بطل، والرواية روايته يحكيها لموظف وزارة الأوقاف المهتم بسماع حكاية مالك قصر الراوي الكبير الغامض الذي مثل للموظف ذاته في طفولته عالم سحري وغامض ومثير. ويبدأ جعفر في سرد حكايته العجيبة التي يمكن تأويلها بكونها إعادة إنتاج لحياة الكائن البشري في هذا الكون ولكن ليس بالمرجعية الخارجية الدينية المتطورة مثلما في أولاد حارتنا، وليس بإعادة إنتاج فلسفتها ومنطقها في فضاء إستعاري مغاير بالكلية مثل في الحرافيش، وإن كانت مثليهما في تشكل الفضاء الراوي في أهاب العلاقة بالجد المفارق.
إن جعفر هو حفيد الراوي الكبير أحد المشايخ الإقطاعيين المحافظين، والذي تحيط به هالة من الإكبار والخوف والكراهية، ويمتزج في أفعاله الخير بالشر. حيث هو المحسن الكبير وصاحب الأوقاف الخيرية، وهو في الوقت ذاته القاسي لحد لا يحتمل المختلف معه. إنه الجد الذي حرم أبنه من مملكته حين قرر الزواج بمن أحب. ويأتي جعفر الراوي ليكون نتاج هذا الزواج المدان من قبل الجد. ويموت الأب فلا يبقى للأم من سند ويتربى الصغير معها في حارة مرجوش ويمر في مرحلة طفولته والتي يسميها بالأسطورة بحالة انطلاق شوارعجي بين رفاقه من صغار الحي الشعبي. ويجاور المقابر بخيالات الطفولة الجامحة وعفاريتها. ثم تموت الأم، فينقله أبناء الحلال إلي منزل جده الراوي الكبير، والذي يتقبله وينشئه نشأة مغايرة للتي عاشها جعفر من قبل، إذن الجد هو السبب في النشأة الأولى وكذا الثانية.النشأة الأولى هي مرحلة طفولة البشرية والتفكير البدائي وهي الخرافة والأسطورة كما يعطينا محفوظ نفسه هذا المفتاح
.

وفي قصر الراوي تبدأ المرحلة الثانية، وفيها يتم تهذيب جعفر وتنقيته في أجواء أرستقراطية صوفية يحياها هو بكل وجدانه، ويتألف معها ويتذوقها تماماً، إنه بعد الشيطان الصغير يكون هذا الملاك المنضبط الذي يتعلم في الأزهر، ويليق بأن يكون حفيد الراوي. وهو في هذه المرحلة أشبه بأخلاقية البناء، ثم وفجأة يقع في هوي فتاة غجرية راعية أغنام، فيقرر أن يتزوجها ويرفض جده هذا القرار بحسم، ويحذره من أن ينال نفس ما ناله الأب، لكن رغبة جعفر ونقمته على الجد الذي لا يندم تجعله لا يلقى بالا لهذا التهديد، فيطرد من جنة الراوي، إلي حياة الشهوة والاندفاع المحموم مع الغجرية ابنة غجر التركمان، ليحيا حياة مختلفة تماماً حيث يلتحق بجوقة صديقه محمد شكرون –صديق طفولة ساعده جعفر بالمال في تأسيس الفرقة-.
ويختلف المجال الملتزم الشفيف الذي عرفه جعفر إلي دنيا الفرقة والغناء والزوجة الجامحة، فيكون عالم الحشيش والمنزول، ويكاد شكرون يجن من صديقه المتفوق في هذا المضمار عليه هو شخصياً، ويفزع من هذا التكيف الذي يجيده جعفر فيكون طاووس بين الملائكة، ويكون مارد بين الشياطين، إنه المتفوق المتكيف دائماً. وفكرة الجموح هذه تتناسب مع لحظة يعرفها الأفراد مثلما تعرفها المجتمعات ربما توازي المراهقة الفكرية والتهكم من كافة المسلمات والكفر بعالم الكبار. ثم يمل جعفر هذا العالم في اللحظة التي يتعرف فيها على سيدة مجتمعات أرستقراطية هي هدى هانم سلطان تنجذب لحفيد الراوي والذي تحدى كل القواعد ليفعل ما يريد وينضم لجوقة غناء.

وبذلك يكون الانتساب بالجبر للراوي وبالنفور منه بالاختيار مبعث شغف الهانم به، إي أن جده حاضر أيضاَ في تلك الزيجة/المرحلة، فيتزوجها ليحيا معها عالم الثقافة وصالوناتها الأرستقراطية، فيتعرف على شخصيات عامة منهم طه حسين وسعد كبير والعقاد وغيرهم، ويتكيف جعفر مع المناخ المثقف الأرستقراطي، ويدخل في مجادلات وجودية وسياسية تجعله نداً للكبار كما يتصور، ثم يصل من ذلك للحظة عبادة العقل وتقديسه، فيعتزل الناس لتأليف ما يسميه بالنظرية الثالثة وهي نظرية تكميلية على حد زعمه، لها مكون اجتماعي ميله اشتراكي، ومكون اقتصادي سياسي ميله ليبرالي، ومكون عقائدي ميله صوفي، يسفه محامي صديق لزوجته النظرية، فيقتله في لحظة يخونه فيها العقل الذي يقدسه، فيلقى في السجن، ويظل لسنوات مصمم أنه مسجون فكري وسياسي، لكن أحد لا يلقى له بال.
بهذه المسيرة الحافلة يكون لجعفر أبناء قضاه و ضباط من هدى هانم، وأبناء مجرمين من ابنة الغجر، ويكون الجميع في النهاية هم أبناء الراوي الكبير، والأنسب في التعبير عن تناقضاته. وهكذا يظل جعفر هو ابن التناقضات وأبو المتناقضات. ويكون هو هذا الكائن الذي أقتحم كل ما يحاول البشر الفرار منه على حد وصفه، ويعتبر أن تلك هي الهدية العظمى اللائقة بهذا الجد. الذي حرمه من كل ماله، وأوقفه على المؤسسات الخيرية، ويطالب جعفر بحقه في الوقف، وهذا هو المبرر الدرامي لروايته للموظف. وتنتهي بضجره وتمزيقه لطلب إعانة من أوقافه. وتأبى نفسه أن يشارك في تلك المهزلة على حد توصيفه.. ولا يظفر جعفر إلا بميراثه السلوكي من جده في ختام الرواية، بتعاليه غير المبرر مادياً ليكون هو الهازل الحكيم.

رحمنا الله بعدك يا محفوظ أيها الجد الذي آثر أحفاده وأثراهم..

ياسر علام
في لحظات الوداع تشتبك الديون النقدية بالأرصدة الإبداعية، فيطيب لنا في هذا المقام هذه المشاكسة
click the link and then click 'download file'
سيزيف

3 Comments:

  • At 6:13 AM, Anonymous Anonymous said…

    ما أصعب وأجل ما تصديت له يابن علام ، صحيح رحمنا الله من بعده ، مع أنك نسيت شيئًا فائق الأهمية ، ألا وهو الرعب ، روايت نجيب تقلقل الروح وتنزع عنها طمأنينتها ، وفي مزيج ساحر مدهش توضح للإنسان عظمته وتفاهته في آن واحد

    تحياتي لك ولصاحب المدونة

     
  • At 12:37 PM, Anonymous Asmaa said…

    اسماء غيث
    صديقي ياسر ، ان ما تجلت به افكارك حول كتابات نجيب محفوظ تحليل ابسط من التعقيد الذي اتى هو به في صدماتنا لعقد رواياته او صدمتنا في اوراق الغرفة 12 مثلا ولكن أهم ما كتبت له يا صديقي هو تركيبة اعمالة والتى لم تهتم بتركيبتة الشخصية التى يراها الأخرون حتى نشخص العيون والابصار للكتابات ولا نستطيع قرائتها
    خالص احتراماتي ومودتى

     
  • At 5:55 PM, Anonymous Anonymous said…

    صباخ الخيرات يا ياسر
    كلام تمام يا مان ... بصراحة المدخل النظري طول شوية بس التحليل علي الأعمال جديد ، اللغة يا مان في تطور جامد ، أيةا كده فينك من زمان

     

Post a Comment

<< Home