سيزيف مصري

في الأسطورة الأغريقية، سيزيف في الجحيم وعقابه أن يرفع صخرة من القاع حتي قمة جبل شاهق، وقبل أن يصل بقليل تسقط منه لأسفل، فيعود ليبدأ من جديد، بلا نهاية. ما أشبه ذلك بنا، أولادك يا بلدي

Thursday, April 23, 2015

عن الموسيقى المستقلة: تأملات وأسئلة إضافية


عن الموسيقى المستقلة: تأملات وأسئلة إضافية

سعدت كثيرًا بقراءة مقال رامي أبادير التحليلي الهام "تناقضات الموسيقى المستقلة"، وبعد أن قرأت أيضًا بكثير من الاهتمام مقال شارل عقل "عن الموسيقى المستقلة أيضاً" قررت أنه من المفيد المشاركة في هذا النقاش، من خلال تأملاتي للمشهد المستقل الموسيقي المصري الحالي، من خلال خبرتي الذاتية، كأحد المنتمين للمشهد، بهدف المساهمة في محاولة الإجابة على الكثير من الأسئلة الهامة التي تخص الموسيقى المستقلة في مصر.
على سبيل المثال، هل هي الموسيقى المستقلة، أم البديلة، أم الأندرجراوند، أم الحرة، هل من مسمى أدق؟ وهل من فارق بين نوع موسيقى وأغاني فِرَق ومطربي ومطربات تيار الأندرجراوند underground stream، وفِرَق ومطربي ومطربات التيار السائد mainstream؟  وهل من حدود فاصلة وإمكانية تنقل وحركة مفتوحة بين الدائرتين؟ وهل الاستقلال الفني اختيار أم إجبار؟  بمعني هل الانتماء لتيار الأندرجراوند اختياري أم يجبر عليه الفنان، ولو مرحليا؟

مصطلح أندرجراوند
سأفضّل أن استخدم مصطلح تيار الأندرجراوند خلال هذا المقال، كمصطلح اعتمده بصورة مؤقتة، للإشارة إلى كل الفِرَق والمطربات والمطربين الذي يرتبط هذا الاسم بهم أو نظيره "المستقل" أو "البديل". ويقابله مصطلح التيار السائد.
هذا التعبير يعتمد على صورة ذهنية لبحر أو تيار مائي أساسي هائل يوجد في كل مكان، باستثناءات قليلة لها أسباب، وفي نفس الوقت يوجد بالصورة تيار آخر تحت الأرض. بالطبع، لا نرى هذا الذي تحت الأرض بينما نحن فوقها. وهنا يبدو هذا السؤال منطقيا، هؤلاء الموسيقيون والمطربون والمطربات في وضعيتهم المفترضة تحت الأرض، لماذا هم هناك، ولما لا يخرجون ليستمتعوا بالنور والشمس؟ ولكن لدينا سؤال آخر سابق لهذا، وهو من هم – أعني مطربي ومطربات وفرق الأندرجراوند؟
هناك بالفعل أبعاد كثيرة يعتمد عليها تعريف الأندرجراوند، الذي لا يوجد اتفاق عليه في تلك اللحظة، ولكني أزعم إمكانية الوصول لتعريف متفق عليه بنسبة كبيرة في حالة السعي لهذا وطرح استبيان مثلا أو مناقشة بين أهم الأسماء التي توجد في المشهد الموسيقي المصري بتيار الأندرجراوند. لا يوجد اتفاق لأن العبرة أيضًا بأولويات هذه الأبعاد، أيهم يأتي أولاً. مثلا، بفرض وجود نقابة موسيقية مستقلة للدفاع عن حقوق هؤلاء الفنانين، سنودّ أن يكون لدينا فكرة عما سيميّزهم، وعن اللحظة التي عندها سنعتبر أن عضويتهم للنقابة ليس لها معنى، وأنه يجدر بهم الانضمام مثلا لنقابة المهن الموسيقية، لأن "المصالح" صارت مختلفة.
وحتى لا ننجرف من البداية نحو تعريفات عامة ستبدو انطباعية وذاتية، فلنبدأ بنفس الطريقة التي أوصلتنا إلى تخيّل صورة الأندرجراوند، فلنبدأ بالحديث عن التيار السائد.

التيار السائد
ما الذي يميّزه؟ في كلمتين فقط، ستكون إجابتي هي السوق والمحتوى. ويرتبط الاثنان معًا بشكل كبير. السوق أعني به المكان الذي فيه المنتجات والجمهور؛ والمحتوى أعني به ما يميز المنتَج كمنتَج مثل الكلمات واللحن والتوزيع.
نحن نتحدث عن عمرو دياب ومحمد منير وشيرين عبد الوهاب وأنغام، كأمثلة أيقونية.
تتراوح تقديرات تكلفة ألبومات نجوم التيار السائد ما بين مليون و2 مليون جنيه مصري، وتكلفة الأغنية الواحدة بين 70 و120 ألف جنيه. وفيما يخص أجور الحفلات، يصل أجر الحفل الواحد إلى 600-700 ألف، وقد يزيد إلى مليون جنيه في حالة عمرو دياب أو يقل إلى 100 ألف في حالات مثل إيهاب توفيق ومصطفى قمر. وسعر التذكرة في بعض الحفلات يصل أحيانًا إلى ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه – التذكرة الواحدة. أما بالنسبة لقيمة تعاقد المطربين مع شركات الإنتاج، ذكر موقع عمرو دياب أوّل العام الماضي أن الهضبة يشترط لكي يوقّع عقدًا جديدًا مع أي شركة، سواء شركة جديدة أو روتانا التي كان قد وقّع معها العقد الماضي، أن تكون قيمة التعاقد 6 ملايين دولار. بينما بلغت قيمة تعاقد شيرين مع شركة روتانا أربعة ملايين دولار ل 3 ألبومات، وبلغت قيمة عقد أنغام مع نفس الشركة مليون دولار للألبوم الواحد.
أما بالنسبة للجمهور، الطرف الآخر للسوق، فحفلة منير في مايو 2013 على سبيل المثال حضرها 200 ألف متفرج. وعلى الإنترنت، نشر موقع البوابة نيوز أن ألبوم " أنا كتير" للفنانة شيرين عبد الوهاب قد حقق رقمًا قياسيًا في عدد مرات المشاهدة، على قناتها الرسمية على موقع يوتيوب، ووصل إلى أكثر من 10 مليون في فترة قصيرة لم تتجاوز العشرة أيام، والأغنية وحدها وصلت عدد مرات مشاهداتها على موقع يوتيوب إلى ثلاثة ملايين ونصف.
أما مشاكل الإنتاج، فليست في عدم وجود أموال للإنتاج، وإنما من عينة اختلاف المطرب مع شركة الإنتاج على موعد صدور الألبوم أو تأخير صدور الألبوم برغم الاتفاق، أو تدخل المسئولون في الأمور الفنية.

تيار الأندرجراوند
ما الذي يميّزه عن التيار السابق؟ في كلمتين فقط، ستكون إجابتي هي نفس الإجابة: السوق والمحتوى.
نحن نتحدث عن فرقة إسكندريلا وفرقة كايروكي ومريم صالح ومحمد محسن، كأمثلة أيقونية.
يجدر بنا هنا البدء بالجمهور، وكأمثلة دالة، لدينا أرقام واضحة على موقعي فايسبوك ويوتيوب. يتجاوز عدد المشاركين بصفحة مريم الرسمية على موقع فايسبوك 680 ألف، ومعجبو فرقة كايروكي يتجاوزون 500 ألف على صفحتهم، وصفحة محمد محسن الرسمية على نفس الموقع عليها 480 ألف شخص، بينما يبلغ عدد المشاركين في صفحة إسكندريلا على موقع فايسبوك 40 ألف فقط.
أما الحديث عن الأجور وتكلفة الألبومات، فمقارنة بالتيار السائد، ليس له الكثير من المعنى هنا. على أي حال، سعة أهم المسارح التي تستضيف فناني وموسيقيي الأندرجراوند مثل مسرح الجنينة وساحة روابط وقاعتي الحكمة والنهر بساقية الصاوي تتراوح ما بين 150 متفرج في ساحة روابط إلى 1500 بقاعة النهر في الساقية. وغالبًا ما يكون الاتفاق هو خصم جزء من دخل التذاكر كضرائب أو مصروفات ثم المشاركة بنسبة فيما تبقى من دخل التذاكر، باستثناء مسرح الجنينة الذي يعطي للفرقة أو المطرب أجرًا للعرض ويتولى هو أمر التذاكر. حتى إذا اختلف أجر الموسيقيين المصريين عن غير المصريين، واختلف أجر المطربين عن بعضهم البعض بحسب الجماهيرية، سنجد أن هذا كله لا يزال يدور في فلك واحد، لا يقارن نهائيًا بأخر الأسماء بقائمة التيار السائد. فلنتذكر أن أجر حسام حبيب 60 ألف جنيه في الحفل، وأن سعر التذكرة الواحدة بعض الحفلات للتيار السائد تكون 3500 جنيه، وهو ما يمكن أن يكون متوسط أجر ليلة عرض لمطربة أو فرقة من الأندرجراوند!
وأخيرًا، يمكنك أن تعمل "تاج" tag لمريم صالح ودينا الوديدي ومحسن وحازم شاهين على موقع فايسبوك لتخبرهم برأيك وربما ترسل لهم كلمات ليغنونها. بالطبع، لا يمكن أن يحدث هذا مع شيرين عبد الوهاب ولا عمرو دياب ومحمد منير. وحتى بافتراض وجود صفحات تفاعلية بأسمائهم، ففي الغالب ليس هم من يديرونها ولا يصل لهم بالضرورة ما ترسله.
فرضيتي هي وجود فواصل صارمة بين التيار السائد وتيار الأندرجراوند، تعوق دون التواصل وحركة الأجساد، وأنهما عالمان مختلفان. لكل سوقه وجمهوره ومحتواه.

المنطقة بين التيارين
يعلم كل من في تيار الأندرجراوند تفوّق إنتاج التيار السائد على إنتاجهم من ناحية الجودة التقنية، أي من ناحية جودة ونقاء التسجيلات، يسهل استنتاج السبب؛ إنه تفوّقه في الإنتاج وإمكانية توفير أستوديوهات صوت بمعدات وإمكانيات ممتازة، ودفع أجور عالية للحصول على أفضل مهندسي صوت، وأفضل عازفين، فضلا عن إمكانيات إضافية تؤدي لنتائج مبهرة مثل رسم الصوت. ويمكن تجربة هذا التفوّق التقني بالاستماع لأي عينة عشوائية من ألبومات كلا التيارين والمقارنة بينها.
طبيعي أن تتمنى أي فرقة وأي مطربة ومطرب أن يتمتعوا بإنتاج وأجور وانتشار وجماهيرية التيار السائد، فضلا عن الجودة التقنية. من يكره؟ هل من أسباب تحول دون الرغبة في ذلك؟
المشكلة الأساسية هي أنه لا توجد منطقة ثابتة بين التيارين. توجد أبواب تظهر لدقائق وتختفي، مثل بوابات الانتقال بين العوالم المختلفة في أفلام الخيال العلمي.
بعض منتجي التيار السائد يمكنهم جذب بعض المطربين أو المطربات من الأندرجراوند لكي يلتحقوا بالسوق، ولكن بالطبع مقابل الالتزام تماما بوجهة نظر المنتج لأن هدفه هو الربح، ولأنه يعلم كيف يربح، ولأنهم لا ينتموا لهذا العالم، ويحتاجون لمن يعلم كيف تمشي الأمور. وبالطبع، لماذا يقع الاختيار على فنان دون آخر لعرض نقله إلى الجانب الآخر، سؤال لا بد من وجود إجابة له، أي سبب. مثلا، ما فعلته فرقة كايروكي بالفعل يؤهلها لجذب الانتباه بما يكفي لتنتقل للجانب الآخر: أغنية جريئة مثل مطلوب زعيم، والاستماتة في التجديد رغم فقر الخيال الموسيقي عن طريق مشاركات غنائية لا علاقة لها ببعض ولا بتوجّه الفرقة الفني: عايدة الأيوبي، وعبد الباسط حموده، وسعاد ماسي!

الاحتواء وتنميط المحتوى
المشكلة الأساسية بالنسبة لمطربي ومطربات وفرق الأندرجراوند لكي يذهبوا لأعلى، للتيار السائد، بافتراض وجود الأبواب السحرية، هو أن الأمر سيكون احتواء، ولا احتواء بدون تحرير edit. وهنا اتفق مع رامي أبادير في أن هناك قوالب. إما أن تحتويك، أو لا مجال لاستمرار اللعبة.
فلنضرب بعض الأمثلة.
عندما غني محمد منير أغنية من إنتاج تيار الأندرجراوند اضطر إلى القيام بهذا التحرير. لا أظن أن هناك أغلبية ستتفق على أن النسخة التي غناها أفضل جماليا من ناحية المحتوى من الأصل. أعني تغيير المقام الموسيقي وحذف الكوبليه الثاني، الذي هو بالنسبة للبعض الذروة الجمالية للأغنية. لا أظن أن الأسباب لها علاقة بالذوق، وإنما بالقالب الغنائي المقبول. الكنج فعل هذا بالرغم أن هذه الأغنية كانت في فيلم تسجيلي مفترض أنه مستقل ولن يعرض أبدًا بدور السينما، أي بالرغم من عدم وجود سبب تجاري. فقط فعل ما يفعله دائمًا.
أحب لأوكا وأورتيجا ثنائي المهرجانات الشهير مهرجان "هاتي بوسة يا بت" الذي يسمّى أيضًا ب "الوسادة الخالية". أتّفق مع رأي رامي أبادير في أن موسيقى المهرجانات كانت "مزيجاً من الثقافة الشعبيّة والفرعيّة، والتي اعتمدت في بداياتها على الإنتاج المستقل ثم سرعان ما تحولت إلى فرق جماهيريّة بعد احتوائها من المنتجين الكبار وشيوع موسيقاهم."
لا أعرف كم كان أجرهما على أغنية "ايوه أيوه" في فيلم عبده موتة، من إنتاج السبكي. ولكن ما أعرفه جيدًا هو أن هذا اللحن نسخة باهتة من لحن "هاتي بوسة يابت"، خاصة من بداية "ركبوني مرجيحتي. عايز أركبها لوحدي". نفس اللحن. لماذا يعيدان إنتاج نفسهما (بالعامية "نحت النفس")؟ ربما لأن الأصالة ليست هامة في التيار السائد، لها مرتبة ثانية؛ ننتج لأن علينا أن ننتج، لا لأننا نريد هذا بالفعل؟ جدير بالذكر أن عدد مرات المشاهدة على موقع يوتيوب بالنسبة لأغنية "أيوه أيوه" بلغ 10 مليون مشاهدة، بينما "هاتي بوسة يا بت" لم يصل لنصف هذا الرقم، مع إنها الأغنية الأصلية لا النسخة الباهتة، وأنها أقدم بعامين.
هل يمكن للتيار السائد احتواء فرقة إسكندريلا؟ بافتراض أنهم توقفوا عن غناء أغاني الثورة؟ أو ربما بافتراض عودة موضة الثورة في التليفزيونات؟
اريد أن أقول أن الأمر ليس بهذه السهولة. يجب أن تتلوّن تماما بألوان الصورة، وإلا لن يمكن وضعك بها، وإن أتيت وظللت كما أنت ستكون شيئًا شائهًا سرعان ما سيتم لفظه. إنه عن التطبيع: كل شيء يبدو طبيعيًا. توجد قواعد صارمة في هذا التيار السائد تتعلق بالمحتوى وشروط الإنتاج. وتهدف هذه القواعد مثل أي قواعد بأي نظام، للاستقرار. وتهدف أيضًا لإحداث تغيير طفيف لاحتواء الملل والرغبة في التغيير، وبالتالي استمرار الاستقرار.
المانع الوحيد، بافتراض وجود عرض الاحتواء الكريم، هو الاضطرار لتنازلات فنية. وأعتقد أنه أمر حتمي. يراهن البعض على إمكانية "عودتهم" لما كانوا عليه بعد زرع أنفسهم "هناك". حتى اليوم، لم أسمع عن فائز واحد بهذا الرهان. ولكني غير متأكد ما إذا كان صعبًا فقط أم مستحيلاً.

الجماهيرية
من هنا نفهم أهمية رعاية شركات تجارية عملاقة مثل بيبسي وكوكاكولا لفرق مثل كايروكي ووسط البلد. وأهمية الظهور في برنامج "البرنامج"، وبديهية انتقال باسم يوسف، بعد فورة الثورة وعودة مياه الجماهيرية والأضواء إلى مجاريها، من ONTV  لقنوات مثل CBC أو MBC. الأمر أكبر بكثير من انتقال الأجر من فئة الآلاف إلى فئة الملايين. إنه انتقال الفرقة بكاملها من سوق لسوق آخر، من فضاء لفضاء آخر، به حجم مشاهدات ضخمة وقنوات تليفزيونية جماهيرية وكذلك نمط إنتاجي مختلف. وهنا يمكن أن أتفق مع رأي رامي أبادير بأن "الاستقلال الموسيقى بمثابة مرحلة انتقاليّة أو اختيار مؤقت للصعود إلى الوسط الجماهيري وتحوّل موسيقى الفنان إلى موسيقى شائعة، مع وجود استثناءات."
في مقالة تحليلية فلسفية عن مصطلح الموسيقى البديلة، يذكر شادي لويس مقولة أدورنو  "أن الإنتاج الكثيف للنصوص الموسيقيّة في السوق الرأسماليّة يميل لفرض قيود على خيال المتلقّي: إذ يتم تنميط النصوص الموسيقيّة من خلال عمليّات تكراريّة دوريّة تشبه عمليات الإنتاج الصناعي، حيث يتم نسخ وإعادة إنتاج الأنماط اللحنيّة والنصيّة الرّائجة تجاريّاً لإرضاء ذوق الجمهور المبرمج سلفاً." وينتقل منها إلى فرضية ترى "استحالة فصل الثقافة البديلة عن نمط الإنتاج الاستهلاكي الرأسمالي في المجتمعات الحديثة، وعليه يتم استيعاب الموسيقى البديلة داخل منظومة الإنتاج الرأسماليّة المرنة وبشكل دوري، لتقوم بإزاحة الموسيقى السّائدة أو تطعيمها في دورات من التجديد والإحلال تضمن استمرار المنظومة الإنتاجيّة وإثرائها."
بدون استغلال نوافذ غير طبيعية، أكبر أغاني على موقع يوتيوب تنتمي للأندرجراوند من حيث عدد المشاهدة هما أغنيتي يسرا الهواري "السور"، وأغنية دينا الوديدي "وحده"، الأولى 357 ألف والثانية 364 ألف، هذا بتاريخ مايو 2014.
وباستغلال مثل هذه النوافذ غير الطبيعية، مثل الظهور في برنامج "البرنامج"، بلغ عدد مشاهدات فيديو لفرقة مثل فرقة "شوارعنا" السكندرية يعرض فقرة الفرقة مع باسم يوسف 450 ألف مشاهدة. أزعم أنه كان يستحيل حدوث هذا، في هذه المرحلة من عمر تجربة هذه الفرقة، دون هذه النافذة. هذا، فضلا عن الملايين التي شاهدت الفرقة في مصر والمنطقة العربية بينما تشاهد برنامج "البرنامج".
بعض فيديوهات فرقة كايروكي على موقع يوتيوب تعدت مرات مشاهدتها 2 مليون ونصف، مثل أغنية اثبت مكانك وأغنيتهم مع عايدة الأيوبي. أما أشهر أغانيهم المصورة وقت الثورة وقبل شهرتهم مؤخرًا، أغنية مطلوب زعيم، لم تصل مشاهداتها إلى مليون ونصف.
من هنا يمكن أن نفهم أيضًا تهافت الكثير من الفرق الجديدة على العرض في "الفن ميدان" في ميدان عابدين، لتعرض أمام ما يقرب أحيانًا من 3 آلاف متفرج، برغم من أنه دون مقابل ورغم مشاكل الصوت المتكررة، وعزوف فرق كبيرة مثل كايروكي لا تحتاج "الآن" لهذا الجمهور، خاصة بعد انحسار مد الثورة ومجد الغناء في الميادين.

مفهوم الاستقلال
يقول رامي أبادير في مقاله أن "المقصود بهذا الاستقلال هو الاستقلال عن الموسيقى السائدة (mainstream) أو الجماهيرية" وبأن " من الواضح حدوث تفكك للمفهوم ولم يعد الاستقلال الموسيقي حكراً على الثقافات الفرعيّة، بل أصبح مجرّد اختيار الفريق أو الفنان لآليّة الإنتاج بغض النظر عن المنتج."
كان يتحدث هنا عن النموذج الأوروبي والأمريكي. ربما يمكن بالفعل استخدام مصطلح الاستقلال إذا كنا نريد هذه الدلالة. ولكن ماذا عن الاستقلال المالي والفني؟
يقول شارل عقل عن نفس الموضوع أن "الموسيقى مستقلّة ماديّاً، أي لا يتحكم رأس المال في القرارات الموسيقيّة وليس له القرار الأخير فيما يخص الخيارات الفنيّة. فلا تفرض شركة "بيبسي" مثلاً أغنية تتضمّن "بيبسي يا حبي يا حتة من قلبي"، ولا يفرض منتج جملة معيّنة لأنّها "ستنج تجاريّاً". ويضيف: "إذا كان القرار النهائي لحسم أي خلاف فني ومتعلّق بالذوق والمنتج النهائي لصاحب رأس المال، لا يعود المنتج مستقلاً ... فحتّى عمرو دياب إذا كان له الرأي النهائي في منتجه الموسيقي، مع إنتاج أعظم الشركات الفنيّة لأعماله، فيعدّ مستقلّاً، خصوصاً إن كان الترويج والتوزيع لمنتجه قائم على اسمه شخصيّاً، وليس اسم الشركة المنتجة. لكن من الناحية الأخرى، إن طلب من فرقة صغيرة أغنية بمناسبة الاحتفال بـ"انتصار أكتوبر المجيد" مثلاً مقابل أجر، فلا يعد العمل مستقلاً. "
لدينا هنا تعريفان، الأوّل أن المستقل هو ما ليس تيار سائد، والثاني أن المستقل هو المستقل في اتخاذه للقرارات والاختيارات الفنية. مشكلة التعريف الثاني أنه لا يساعد في مشكلة التمييز بين التيار السائد والأندرجراوند. تمسّك عمرو دياب بحرية الاختيار الفني وعدم تركها لشركة روتانا لا يجعله يخرج من التيار السائد (لا يجعله مستقلا)، كما أن ترك مريم صالح حرية الاختيار الفني لشركة إيقاع، مثلا في تجربة موسيقية ما، لا يُدخلها في التيار السائد (لا يجعلها غير مستقلة). ببساطة، الاستقلال في اتخاذ القرارات الفنية عن المنتِج لا يمكن أن يكون هو فقط أساس تعريف "الاستقلال" عند مناقشة مصطلح الموسيقى المستقلة. ربما لهذا أرى مستقبلا أقل من الاختلاف إذا اعتمدنا مصطلح الأندرجراوند. جدير الذكر أيضًا أن بعض نجوم التيار السائد ينتجون لأنفسهم من مالهم الخاص أحيانًا، بالضبط مثلما يفعل دائمًا الكثير من فناني تيار الأندرجراوند، فحتي تعريف الاستقلال الموسيقي بعدم الاعتماد على شركات الإنتاج والاعتماد على النفس يمكن ألا يحل المشكلة.

تذييل قصير

عدد كبير من فناني الأندرجراوند لا يدرك أن عليه أن يسعى للاحترافية. الاحترافية تعني شيئين: الجودة الفائقة في المنتَج، والتربّح من المهنة، أي أن يكون هذا هو مصدر الربح الذي تعيش منه. وعدد كبير أيضًا يعمل بوظيفة أخرى لينفق على الإنتاج، أو يقدّم في مسابقات المنح الإنتاجية القليلة على مستوى المنطقة العربية. في الحالتين لا توجد دورة مالية، لأنه لا يوجد دخل من الحفل أو من المنتَج. لهذا تكون الحاجة للإنتاج مستمرة. هناك إيجابيات مثل الحرية في التعبير وفي اختيار الشكل الفني وفي التجريب. عدد كبير من الفنانين أيضًا يفتقر للثقافة الموسيقية والتدريب، مثل أي فئة في مصر. وعدد كبير منهم لا يزال يعمل بالرغم من أن بيئة العمل لا تزال قاسية وطاردة. هنا يمكن أن أقول أن الحياة اختيارات، ليس بين التيار السائد والأندرجراوند. وإنما بين الكفاح للاستمرار، أو الاستسلام لليأس.


أيمن حلمي

17 مايو 2014

الفن ميدان (2 أبريل 2011 – 9 أغسطس 2014) أو جرافيتي أخير على حائط الثورة


يأتي مصطلح "التطبيع" من كلمة طبع، وطبيعة، ويشير في معناه البسيط، إلى عودة الأمور إلى "طبيعتها"، والتصرّف وكأن شيء ما قد حدث، لم يحدث. في الغالب، يتم هذا بشكل مفتعل، يتضمّن الكثير من التكلّف والجهد، لصعوبة نسيان ما حدث، والتصرّف بشكل طبيعي. هكذا أفهم التطبيع.

لماذا أجدني أفتتح مقالاً عن الفن ميدان، بمناسبة عيده – أو ذكراه – الرابعة بمصطلح التطبيع؟

ارتبط الفن ميدان، بما نحب أن نسميه ثورة 25 يناير 2011.
وفكرة الفن ميدان هي إقامة فعالية ثقافية فنية مجانية في الميادين المفتوحة، تعتمد على التطوّع بالنسبة للفرق الفنية والفنانين الذين يقدّمون فقرات بها، والتطوّع بالنسبة للمنظّمين، وتعتمد على التبرّعات فيما يخص مصروفات تجهيزات اليوم. يحدث هذا في السبت الأوّل من كل شهر، في ميدان عابدين وميادين وساحات مفتوحة عديدة بمختلف المحافظات والمدن المصرية. وصل عدد الفعاليات في إحدى المرات إلى 15 احتفالية بنفس الشهر، على مستوى جمهورية مصر العربية.
على أن هذا ليس كل شيء. فما الذي يميّز هذه الفعالية عن فعاليات ومهرجانات وزارة الثقافة المصرية؟ التي يمكن أن تحدث أيضًا في الميادين؟
الفرق الأساسي هو أن الفن ميدان مساحة استثنائية من الحرية.
كان الفن ميدان مساحة حرية بمعنى الكلمة، تسمح بالتقاء أطياف مختلفة أو حتى متنافرة، ولا توجد رقابة على المحتوى ولا يوجد سقف لأي صوت يرغب في التعبير عن نفسه بهذه المساحة. بالطبع، ككل شيء، شاب هذا الوصف الثوري المثالي الذي ذكرته في الجملة السابقة بعض الشوائب، من حين لآخر. وتكمن استثنائية هذه الحرية في أنها لساعات قليلة من أحد الأيام، فهي لا تستمر؛ وأنها عشوائية أو غير منظّمة، على مستوى وجود جمهور عابر بالصدفة بالإضافة للجمهور الذي يأتي عن قصد؛ وأنه لا استبعاد لأي فئة تضم نفسها لهذا الفضاء؛ وفي عدم وجود آلية اختيار منهجية من طرف المنظّمين لفرق برامج المسرح؛ وفي حرية الفرق والعارضين شبه المطلقة في اختيار المنتج الفني الذي سيقدّمونه.
ميزة أخرى تخص الفن ميدان، هي تنوّع غير تقليدي وغير مسبوق في مجموعة المنظمين، ينعكس في ميولهم واهتماماتهم وثقافتهم، والذي تسبب في خلافات بالطبع، كانت تطفو على السطح من حينٍ لحين. بالاقتراب أكثر من هذه المجموعة، تندهش من قدرتهم على العمل معًا، وتجاوز أو تناسي المشاكل والخلافات، لقرابة 3 سنوات ونصف، وبالطبع، من قدرتهم على تنظيم الفن ميدان طيلة هذه الفترة، بدون غطاء مؤسسي ولا هيكل إداري حديدي، ودون تمويل دائم أو شبه دائم يمكن للإرهاق المادي للفعالية أن يستند إليه. من هنا، يمكننا أن نرى الفن ميدان ظاهرة ثورية بامتياز. نعم، كان الفن ميدان أحد مكتسبات الثورة، وانتصارًا رائعًا في إحدى معاركها، وهي معركة الفضاء العام.
تخيّل أن مجموعة من المواطنين – المدنيين J – يمكنهم  أن يضعوا أيديهم على ميدان بالشارع، لمدة يوم واحد ثابت شهريا، على مدار العام. ما الذي يمكن أن يبنيه هذا من تراكم؟ وفي خلال هذا اليوم، يقومون بتغيير تضاريس الميدان، فلا تعد تتعرف عليه. فتجد الساحة الخاوية والمهجورة، إلا في العادة من بعض السيارات التي تستخدمها كجراج، أو بعض الشباب أو الصبية الذين يستخدمونها كملعب كرة قدم، وقد تحوّلت إلى ساحة ضخمة تموج بآلاف البشر، وكل أشكال الفنون، والحركة، والأصوات الصاخبة، والمشاجرات أحيانًا. تحوّلت إلى عالم آخر.
وطيلة هذه الفترة، كان وضع اليد على هذه الساحة، من خلال آلية بسيطة، هي تقديم طلب تصريح لمحافظة القاهرة، وهو طلب لم يرفض قط. ما حدث هو رفض آخر.
عفوًا، نسيتُ ذكر معلومة اتضح لنا فيما بعد أنها شديدة الأهمية.
هذه الساحة، توجد أمام قصر الرئيس: قصر عابدين. أحد قصور رئيس الجمهورية، الذي لديه ما يقرب من 30 قصرًا واستراحة في كل أنحاء الجمهورية، أربعة منها بالقاهرة.
اتضح هذا لأوّل مرة في 1 سبتمبر 2012، عندما تزامن يوم السبت الأوّل من كل شهر مع زيارة رئيس الجمهورية وقتها، محمد مرسي، لقصر عابدين، حيث حاول الحرس الجمهوري وكل الجهات الأمنية إلغاء الفعالية. ولكن كان لدينا تصريح من المحافظة منعهم من فرض ما يرغبون دون إطلاق نيران صديقة. لهذا تمكّنّا بعد أخذٍ وردٍّ من تنظيم اليوم، بعد تأخير دام لأربع ساعات.
وتجلّت أهمية المعلومة المذكورة أعلاه بشكلٍ أكثر وضوحًا في 1 أغسطس 2014، عندما رفض الحرس الجمهوري المسيطر على ميدان عابدين لأوّل مرة التصريح المعتاد الذي قدّمه لهم المنظمون من محافظة القاهرة، وطلب تصريحًا أمنيًا من قسم الشرطة. مأمور قسم عابدين طلب أن تكون صيغة طلب التصريح هي نموذج طلب التظاهر الذي يجب ملئه وتقديمه لمن يرغب في التظاهر، وفقا للقانون الجديد، وهو ما رفضه المنظمون بالطبع. طافت بخاطري وقتها فكرة موقفهم من فعالية "فنية" أو "سياسية" أمام القصر الجمهوري. ربما يرونه أمرًا لا يليق.
وبعد بيان أصدره المنظمون، ذكروا فيه رفض القوة الأمنية المسئولة عن تأمين قصر عابدين والتابعة لرئاسة الجمهورية فتح ميدان عابدين، وبعد توسّط دكتور جابر عصفور وزير الثقافة وقتها لدى وزير الداخلية بعد اتصال المنظمين بالأوّل، وافقت الداخلية وبالتالي الحرس الجمهوري على تنظيم الفن ميدان بنفس اليوم. ولكن قرر المنظمون تأجيل الفعالية لأسبوع لضيق الوقت والحصول على الموافقة في وقت متأخر. وفي أوّل سبتمبر 2014 أتى الرفض الواضح من الأمن لمنح الفن ميدان التصريح لإقامة فعالية السبت 6 سبتمبر 2014.
بالطبع، هناك دائمًا مبررات يطرحها الأمن، أهمها الحفاظ علينا واهتمامهم بأمننا الشخصي. وإن تحلّى بعضهم أحيانًا بالصراحة، كما حدث في هذه المرة، ليخبرنا أنهم يروا في دعوة الفن ميدان في يوليو الماضي للدكتور أحمد حرارة، أشهر مصابي الثورة، وترْكِه ليصرّح برأيه في النظام الحاكم على المسرح، نوعًا من نكران الجميل من جانبنا، في ظل أنهم يسمحون لنا باحتلال ساحة "ميدانهم". رسالة لا ينقصها الوضوح.
قبل الثورة، كانت العروض الفنية في الأماكن العامة ممنوعة. ولكن يمكن تقديم طلب تصريح من الأمن بالعرض في الشارع وتقديمه للجهات الأمنية، التي يمكنها الرفض أو حذف ما يلزم من النص. كان هذا في ظل قانون الطوارئ (أكتوبر 1981-مايو 2012) الذي كان يجرّم التجمّع بشكل عام، ويفرض القيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والمرور، الخ. لا يحتاج المرء للكثير من الذكاء ليدرك أهمية الفضاء العام، وإمكان المسيطر عليه الضغط للحصول على انتصارات سياسية – كما حدث جزئيًا في 11 فبراير 2011، أو ليفهم خطورة تراكم الخبرات وقوة التأثير، وربما إمكانية زيادة مساحات الفضاء العام التي يتم احتلالها. في العيد الأول للفن ميدان، أبريل 2012، قمنا بتنظيم فعالية فنية احتفالية ضخمة في ميدان عابدين، بهذه المناسبة، بمشاركة مشروع كورال، ومدرسة الدرب الأحمر للفنون، وإسلام سيبشي وعمرو سعد، ونغم صالح، ورامي عصام، ومسار إجباري، وفرقة إسكندريلا. كل هؤلاء.
هذه الأسماء تجعلك تفكّر في حجم الجمهور الذي يمكن أن يسعى خلف هؤلاء الفنانين والفرق، وحجمه الممكن بمرور بالوقت. لا توجد إحصاءات دقيقة بعدد جمهور الفن ميدان. ولكن العدد التقديري هو أنه في المتوسط كان يحضر الفعالية في ميدان عابدين ما يقرب من 4000 شخص، وربما مثلها في كل المدن الأخرى مجتمعة، شهريًا. يوحي لك هذا أيضًا بالدور الذي يمكن أن تساهم به هذه الفعالية مثلا في "الحرب على الإرهاب"، وفي المساهمة في بناء خطاب ثقافي يفكك من الطائفية أو التطرّف الديني.
ولكن المشكلة الرئيسية في رأيي هي في تلك المعركة التي أشرتُ لها: السيطرة على الفضاء العام. فمساحة الحرية تسمح بوجود انتقادات للنظام السياسي الحاكم، أيًا كان. من منا يحتمل النقد؟ خاصةً في زمن الصوت الواحد.
والمشكلة أيضًا في مفهوم الدولة لوظيفة الأمن. ما هي؟ هل يؤمنون بأن الفضاء العام من حق المواطنين وأنه على الأمن أن يقوم بتأمينهم في حالة استغلالهم للميادين؟
في أكتوبر 2010 كانت مؤسسة مصريين ضد التمييز الديني تعمل على تنظيم مهرجان اسمه "مصر لكل المصريين" في حديقة الأزهر، ووافقت مؤسسة المورد الثقافي على استضافة المهرجان بمسرح الجنينة. وقتها رفض الأمن السماح بتنظيم الفعالية بعد أن كان قد وافق بالفعل. ولم يوافق أحد على اعطائنا ورقة بالرفض، ولا ورقة بالتصريح. لماذا يمنع الأمن فعالية عن الوحدة الوطنية؟ كانت أحد التفسيرات التي بدت لي منطقية حينئذٍ، مع لا منطقيتها الساخرة، هو أن الأمن فعل هذا لا لشيء، فقط لأنه "مش عايز وجع دماغ".
نقطة أخرى هامة تخص الفن ميدان، هي الفنانون الذين لا تدعمهم الدولة بأي شكل من خلال تمويلات مباشرة أو غير مباشرة، ولا تفتح لهم مسارحها، أو إذاعتها، ولا توفر لهم أماكن للبروفات أو أستوديوهات، بل وتطاردهم من خلال أذرعها النقابية الرسمية، التي تخيّرهم ما بين الانضمام لها أو دفع "غرامة" متكررة أو السجن، بصلاحيتها في الضبطية القضائية. هؤلاء الفنانين استطاعوا من خلال الفن ميدان الخروج للشارع والتفاعل مع الجمهور دون وسيط، ودون أبواب مسارح مغلقة ودون تذاكر، ودون مشاكل إنتاج، ودون رقيب ينبغي موافقته أولا على النص أو الفقرات. حدث هذا للكثير منهم لأوّل مرة. كانت هذه روح الثورة. لهذا أرى أنه من الضروري توثيق هذه التجربة الهامة وما حدث بها، وتواريخها، وصورها، وأبطالها، وجنودها المجهولين، من أجل المرة القادمة.
نعم، أومن بأن هناك مرة قادمة.
وهناك أسئلة هامة، سيكون من المفيد بحث إجاباتها الآن. مثل، لماذا لم يقم جمهور الفن ميدان العظيم بنفسه بالاستمرار في تنظيم الفعالية، بعد أن أوقفها الأمن؟ هل كان يجب إشراك أهل المنطقة أكثر في التنظيم لبناء علاقة أكثر عمقًا؟ هل أصاب المنظمون عندما قبلوا– في النهاية – أثناء المفاوضات مع الأمن من أجل التصريح، مبدأ تغيير الميدان بمكانٍ آخر؟ ولماذا توقفت مؤخراً حركة مسرح الشارع التي زاد حضورها في الأماكن العامة بشكل ملحوظ بعد الثورة؟ وهل يمكن إعادة الفن ميدان دون موافقة الأمن وتصريحه؟ وهل إقامته مثلا بالتعاون مع وزارة الثقافة لتيسير الحصول على تصريح من الأمن ستخلّ بروحه وطبيعته، فيضحى شيئًا آخر؟ ومتى يمكن أن تكون المرحلة الثانية من حياة الفن ميدان، هل سترتبط بوجود حركة ثورية على الأرض أو بولادة وعي مختلف، أو ربما حاجة ما، لدى الجمهور أو الفنانين؟ والأهم، ما الذي يمكن أن نفعله في المرة القادمة، لكي يصعب على الأمن إيقاف الفعالية بقرار؟
لن يتّفق معي كثيرون في غلق القوس الذي وضعته بالعنوان، لتبدو التواريخ وكأنها الميلاد والنهاية: (2 أبريل 2011 – 9 أغسطس 2014). فهناك من يعتقد بإمكانية استمرار "الفن ميدان" مرة أخرى. الآن.
أتمنى هذا. ولكني أعتقد أنها ستكون مرحلة جديدة من عمر الفن ميدان، وشكل جديد. لأن الفن ميدان لم يُقذف إلى العالم من العدم. أتى من بيئة إبداعية وخلاقة في الشارع، ومن مدد ثوري ارتفع يومًا ليصل إلى أعلى ما يمكن أن تصل إليه أعيننا. ثم صار هذا الآن حكاية من حكايات الماضي. أشياء كثيرة ينبغي أن تعود، حتى يعود هو، كما نعرفه.
في رأيي أن الفن ميدان كان التغيير الوحيد الملموس على الأرض بعد الثورة، فيما يخص الفن والثقافة. أغلب التغييرات التي حدثت بعد الثورة بوزارة الثقافة أو المؤسسات الثقافية الحكومية تمت السيطرة عليها، سلميًا أو بشكلٍ نصف سلمي، وتمت إزالة آثار العدوان. كان آخر هذه الآثار هو الفن ميدان. الجرافيتي الأخير على حائط الثورة.
كان الفن ميدان أشبه بجرافيتي للثورة. أحد ملامحها الخاصة، التي يمكنك أن تتعرف عليها بها. لهذا، سيكون من الطبيعي أن يحاول من لا يحب أن يتذكرها أو أن يتذكرها أحد، يحاول طمس هذه الملامح. مثلما جرت عادة طمس جرافيتي الثورة على الحوائط، أو استبداله بجرافيتي "آخر". من الطبيعي أن يسعى الأمن لكي ينُسينا ما حدث، وكل الآثار التي تذكّرنا بما حدث. لكي يعود الأمر "طبيعيًا" بالنسبة له، ولنا. ربما حتى بتغيير شكل ميدان عابدين الذي أعتدنا عليه، كما يحدث الآن. لن تتعرف عليه إذا زرته اليوم، من أعمال الحفر والهدم غير المفهومة التي تتم به. ميدان سعد زغلول بالإسكندرية أيضًا، والذي شهد تنظيم فعاليات الفن ميدان لفترةـ تمت إحاطته بالأسوار، وكأنها خطة ما لتغيير شخصيته كفضاء مفتوح. وعلى الجانب الآخر، سيجانبنا الصواب إذا تصرّفنا وكأن شيء لم يحدث للثورة. إذا تصرفّنا وكأن جرافيتي الثورة لم يزل بألوانه الزاهية، منتصرًا على الجدران. على جرافيتي الثورة أن يعترف، أنه لن يعتلي الحوائط اليوم، إلا باهتًا.
على أن الصورة ليست بهذه القتامة، التي تبدو عليه.
صحيح أننا لم نعد نغني. ولكنّا لم ننسى الغناء. ولم ننسى أيضًا كم أحببنا تلك اللحظات التي جمعتنا بالسعادة على غير موعد، بينما نحن نغني.

لهذا، وبرغم كل شيء، يمكن رؤية بداية ما، في هذه النهاية.

قبل 25 يناير 2011، لم يكن من المقبول أن نحتفي بمثل هذه الأغنية:

"ولما الثورة قامت نزلنا في كل البلاد
موتنا على الحرية وسقوط رموز الفساد
ما سكتناش ما هديناش ما لسا النظام موجود
داخلية الكلاب والظلم في كل مكان موجود
أقتل في الثورة كمان
كلمة حر ليك جنان
مهما يزيد بطش السجان
قدام صوتي يكون جبان"
(من أغنية "حكايتنا" – أولتراس أهلاوي)

أيمن حلمي

5 أبريل 2015

Saturday, April 06, 2013

"من نيويورك للمحلة ... ثلاث صور أسرتني" - خلالد فهمي عن 6 إبريل


ثلاث صور علقت بذهني وأنا أتابع الأحداث التي شهدتها البلاد منذ إضراب 6 إبريل.


الصورة الأولى هي صورة الصبي أحمد علي مبروك حمادة، 15 سنة، الذي قتل إثر إصابته بعيار ناري أطلقته الشرطة على شرفة منزله في المحلة. والصورة لفتى وديع تظهر لمدة ثواني قصيرة في ختام شريط فيديو عرضته مدونة "الوعي المصري" بعد نجاح وائل عباس، صاحب المدونة، في كسر الحصار المفروض على المدينة والوصول إلى أسرة القتيل. وفى هذا الشريط يشرح والد الصبي أن أحمد كان يعمل على الكومبيوتر حتى ساعة متأخرة من الليل أنه حثه على النوم مبكرا، وهو ما قام به الصبي بالفعل إلا أنه استيقظ عند سماعه جلبة في الشارع وعندما خرج للشرفة لاستطلاع الأمر عاجلته رصاصة اخترقت رأسه. حاول الأب طلب الإسعاف ولكن قيل له إنهم لن يأتوا، عندها أسرع الأب بإبنه إلى أقرب مستشفى إلا أن الصبى كان قد فارق الحياة. "صبي خمستاشر سنة، متربي، مصروف عليه، مقفول عليه باب ... قفلنا الباب والشبابيك لكن جالنا غضب ربنا من فوق"، هكذا لخص الخال مأساة الأسرة.


أما الصورة الثانية فهي لأحمد آخر، أحمد حسين، 16 سنة. في يوم الإضراب فضل أحمد الابتعاد عن الأحداث الساخنة وتوجه لاصطحاب أخته إلى البيت بعد انتهاء يومها الدراسي، إلا أن الأمن اعترض طريقه وانهالوا عليه بالعصي والهراوات بل حتى بالرصاص، الأمر الذي استدعى نقله للمستشفى حيث خضع لعملية جراحية استئصلت له فيها أجزاء من إمعائه بعد تهتكها الشديد نتيجة لاختراق الرصاص لها. والصورة التي نشرتها البديل له تظهره في مستشفى السلام الدولي بالمحلة وهناك خرطوم مربوط بأنفه ويده مكبلة بالكلابشات في السرير نتيجة إصرار الأمن على اعتباره من "البلطجية" الذين تظاهروا في المدينة واعتدوا على المنشآت، حسب وصف الداخلية.


الصورة الثالثة لإسراء عبد الفتاح، 28 سنة، منسقة الموارد البشرية بإحدي الشركات الخاصة والعضوة بحزب الغد. إسراء كانت قد نجحت في استقطاب 70 ألف من جمهور موقعها على الـ"فيس بوك" الذي طالبت فيه بإضراب عام وعصيان مدني سلمي. والصورة المنشورة لها على مواقع عدة على الإنترنت تظهرها خلف القضبان في عربة شرطة بعد القبض عليها وتوجيه تهم "التحريض علي إضراب ٦ أبريل وإثارة الشغب وحيازة المنشورات". وتقبع إسراء الآن في الحبس بعد أن أمرت نيابة قصر النيل بحبسها 15 يوما على ذمة التحقيقات.


تلخص هذه الصور الثلاث عمق الأزمة التي يعاني منها النظام الحاكم ومقدار الأذى الذي يلحقه بنفسه نتيجة اعتماده المفرط على الأمن. فالطريقة التي تعاملت بها الشرطة مع أحداث المحلة أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها غير قانونية وغير دستورية. فقوات الشرطة في محاولاتها حفظ الأمن لا يتسنى لها أن تطلق الرصاص الحي أو المطاطي بشكل عشوائي على المتظاهرين، وبالطبع لا يفترض منها أن تطلق النار على الصبية في شرفات منازلهم. أما تكبيل المصابين بالكلابشات في أسرة المستشفيات، حتى وإن كانوا "بلطجية" ومتهمين بإثارة الشغب، فهو إجراء ينتهك الدستور والقانون ويتعارض مع أخلاقيات مهنة الطب. 


إن هذه الإجراءات إضافة إلى عدم دستوريتها وعدم شرعيتها تنم عن حمق سياسي بالغ الخطورة، فالتعامل بهذه الرعونة مع ما تراه الشرطة تعديا على الأمن لن يؤدي إلا إلى زيادة الاحتقان والتوتر، فمن يمكنه التعاطف مع نظام لا يكتفي بالقبض على شابة تدعو إلى عصيان مدني سلمي بل يطلق النار على صبي يقبع في بيته يستذكر دروسه فيرديه قتيلا وينهال ضربا على آخر أثناء محاولته الرجوع للبيت مع أخته ثم يكبله في سرير المستشفى خوفا من فراره؟ 


على أن هذه الصور الثلاث توضح أيضا فداحة الثمن الذي يدفعه شباب هذا البلد نتيجة انسداد أفق العمل السياسي أمامه. فسياسات النظام القمعية التي تبدّي الأمن على أية اعتبارات أخرى انتجت ليس جيلا واحدا فقط بل جيلين من الشباب الذي ولد وشب ووعى ولم يعرف إلا رئيسا واحدا يقبع على رأس السلطة. وإن كان كل من أحمد حمادة وأحمد حسين يمثلان شابين دفعا ثمنا مأساويا نتيجة هذه الشلل السياسيى، فإن إسراء عبد الفتاح تعطي لنا نموذجا واعدا لما يستطيع أن يحققه الشباب في كسر هذا الجمود ، فباتباعها أساليب جديدة وانتهاجها وسائل مبتكرة نجحت إسراء (مع غيرها من شباب الـ"فيس بوك") في تحقيق ما عجزت عن تحقيقه الأحزاب السياسية بقادتها العواجز، أي تشكيل حركة واعدة تنشد التغيير بطرق سلمية. 


ولكن يبقى التحدي الذي يواجه إسراء (على أمل خروجها سريعا من الحبس) وغيرها من أبناء جيلها والمتمثل ليس فقط في التعامل مع نظام لا يرى السياسة إلا بمنظور أمني ولكن (وهذا هو التحدي الأكبر) في ابتكار آليات عمل تزاوج بين العالم الافتراضي بما يحمله من إمكانات هائلة وبين العالم الواقعي بكل أثقاله ومشاكله. 


وبشكل أكثر تحديدا يجب على هذا الجيل الذي يصر على استرداد وطنه المسلوب منه أن يعمل على ملء الفراغ المؤسسي الذي خلفته سياسة أمنية قضت على الأحزاب والنقابات والجامعات والصحافة وغيرها من المؤسسات التي كان لها الفضل في النهضة المصرية في القرن العشرين. إن التحدي الذي يواجه هذا الجيل ليس أقل حجما من التحدي الذي كان يواجه جيل الثلاثينات والأريعينات. وإن كان هناك درس نتعلمه من تاريخنا الحديث فهو أنه لا يكفي لمجموعة من الشباب أن تتحلى بالوطنية والشجاعة حتى تستطيع أن تضع البلاد على الطريق المنشود (عندما استولى عبد الناصر ورفقاؤه على السلطة لم يكونوا أكبر من إسراء سوى بعامين أو ثلاثة)، وأنه بدون أن يراكم هذا الجيل خبرة سياسية حقيقية لن يكون حظه أحسن من الأجيال التي سبقته. 
كيف يمكن لهذا الجيل الواعد أن يفلت من قبضة النظام الأمنية وأن يطور مهاراته السياسية والتنظيمية وفي نفس الوقت كيف يتمكن من التحلى بحس نقدي في تعامله مع أدواته الافتراضية: ذلك هو التحي المزدوج الذي يواجه جيل الـ"فيس بوك".

Monday, July 16, 2012

عزيز عيني يا كنج، أو عن وسط ليس به "للبيت رب.. وللطفل أب"ه

يا عزيز عيني وأنا بدّي أروّح بلدي
ليلة نمت فيها وصحيت ما لقيتشي بلدي
..
دخلتُ في حالة من الاكتئاب الشديد في بداية عام 2006.
كان السبب هو فشلي مع مجموعة من المسرحيين والنشطاء والأهالي في تحقيق العدالة التي رأيناها وأنكرها نظام دولة مبارك، في أعقاب كارثة حريق مسرح بني سويف، 5 سبتمبر 2005، ووفاة ما يزيد عن 50 من المسرحيين والنقاد والمتفرجين، هذا غير المصابين بحروق.
تمت تبرئة الجميع، باستثناءات لا تُذكر، ولم يُمنح الراحلون لقب "شهداء" كما أردنا، ولم يتم تحميل وزير الثقافة أو الصحة أو الداخلية أو محافظ بني سويف مسئولية الحادث أو فشل إدارة الأزمة الذي تسبب في تحويل حادث إلى كارثة. أحياء تساقطت جلودهم، وقتلى عوملوا بما يمكن وصفه بانتهاك حرمة موتى، وأهالي منكوبين تم ضربهم بعصي الأمن في أقسي لحظات حياتهم ... أول مرة رأيت فيها هذا المشهد، والذي تكرر بعدها، كما بالتأكيد لاحظتم، مرارا.
يتّهم الجميع "الإخوان المسلمين" بالانتهازية والخيانة – وهو حق – ولكن، في الواقع، هذه بعض أمراض عصر مبارك، وليست أمراض جينية توارثها الإخوان جيلا فجيل. وجّهتُ أنا هاتين التهمتين من 6 سنوات إلى بعض المثقفين/المسرحيين الذين وضعت يدي في أيديهم من أجل حقوق من رحلوا. لهذا لم نحقق ما كنا مستعدين، يوما ما، إلى الموت من أجله – أو هكذا ظننت.
أردتُ من هذه المقدمة أن أشير إلى أن هناك تجربة لم تخل من معاناة وراء أغنية "يا عزيز عيني"، لمن يفهم معنى كلمة تجربة.


أثارت هذه التجربة القاسية لديّ مشاعر لم أختبرها من قبل، وكان الحل هو الاحتراق أو الغناء.

يا عزيز عيني وأنا بدّي أروّح بلدي
ليلة نمت فيها وصحيت ما لقيتشي بلدي
بلدي يا بلدي ويا عيني على بلدي
بين أهلي وناسي وبقيت غريب يا بلدي

عم ياللي ماشي ظلمي ما ترضاشي
سافر قلبي وما جاشي يدوّر على بلدي
يا عزيز عيني وأنا بدّي أروّح بلدي
ليلة نمت فيها وصحيت ما لقيتشي بلدي

ده مش لون عينيكي ولا ديّة إيديكي
بدال ماخاف عليكي بأخاف منك يا بلدي
يا عزيز عيني وأنا بدّي أروّح بلدي
ليلة نمت فيها وصحيت ما لقيتشي بلدي

كتبت هذه الكلمات في أوائل عام 2006 وخَرَجت للنور، لأوّل مرة، في عرض "كستور" لفرقة حالة يوم 18 إبريل 2006، بتاون هاوس جاليري بوسط البلد. بعد ذلك، أخذ المخرج الموهوب إبراهيم البطوط الأغنية في فيلم "عين شمس"، الذي اكتملت نسخته الأولى في إبريل ٢٠٠٧ وعُرض بدور السينما المصرية لأيام قليلة في مايو 2009 بعد مفاوضات استمرت لشهور عديدة مع الرقابة. ومنذ هذا الوقت وهو يُعرض على قنوات فضائية مختلفة من وقت لآخر. الفيلم حصل على جائزة أحسن فيلم في مهرجان تاورمينا في إيطاليا، وأحسن فيلم أوّل في مهرجان روتردام للأفلام العربية، وأحسن فيلم في مهرجان سان فرانسيسكو للفيلم العربي، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان قرطاج السينمائي، كل هذا قبل أن يُسمح له بالعرض في مصر بدور السينما التجارية، لأقل من شهر.
لم أتقاضى أي أجر عن هذه الأغنية، ولم أكتب أي تنازل لأي شخص.
كنتُ أحد عشرات الفنانين والأصدقاء آمنوا بمشروع المخرج إبراهيم البطوط وقرروا العمل في فيلم "عين شمس" بلا أجر. ولم نندم أبدًا. واليوم، 13 يوليو 2012، فالحال هو أنه لم يأخذ أحد بعد مستحقاته من هذا الفيلم الذي ربح منتجه الكثير من بيعه للشركة العربية كفيلم مستقل حائز على جوائز بمهرجانات دولية، على أن المنتج لم ينكر حقوق العاملين في الفيلم، على ما أعلم. ذكر إبراهيم أنه تم تحويل الفيلم الديجيتال "إلى نسخة ٣٥ بمنحة من المركز السينمائي المغربي، تحمّلت المغرب ٩٠ ٪ من التكلفة، وتحمل المنتج الأستاذ شريف مندور ١٠ ٪ + ٦٠٠٠ دولار مصاريف سفري وإقامتي لمدة ٣ أشهر في المغرب لمتابعة عملية تحويل النسخة. كما دفع المنتج سبعة وعشرين ألف جنيه مصاريف إنتاج الفيلم الذي لم يتقاضى أي من العاملين فيه أي أجر."


وضعتُ فيديو للأغنية كما تظهر في الفيلم، مع خلفية أسماء العاملين به، على قناتي الخاصة على موقع يوتيوب على الإنترنت منذ يوليو 2008. الأغنية بصوت المطربة مريم صالح سعد بمشاركة أحمد مصطفي ودودو من فرقة حالة، وبمصاحبة عود كريم سامي. في هذا الوقت كنت أقول أن الأغنية لحني عن تيمة فولكلور .. غيّرت الآن من مفهومي للأمور، فصرتُ أقول أن ما أملك حقوقه في الأغنية هي الرؤية الموسيقية بالإضافة إلى الكلمات. الرؤية الموسيقية تعني إنني لم ابتكر الألحان الفولكلورية ولكنني وضعت تصوّر علاقات الألحان بعضها ببعض في الأغنية، فلم يصغ أحد قبلي هذه العلاقة الموسيقية بين المذهب والكوبلية، خاصة لأن كتابة الكوبليهات جديدة تماما. في رؤيتي الموسيقية للأغنية، التي كتبت كلماتها باستثناء أوّل جملة فقط المأخوذة من الفلكلور (يا عزيز عيني وأنا بدّي أروّح بلدي)، اللحن مبني علي تيمة فولكلورية لأغنية بنفس الاسم، والكوبليهات مبنية علي تيمة فولكلورية أخرى ظننت في البداية أنها لبليغ حمدي، ولكنها من أغنية لدكتور جمال سلامة اسمها "توتة توتة" بفيلم "أفواه وأرانب"، وهي عن تيمه فلكلورية من الدلتا اسمها "مهما الليل هيطوّل". من المفترض أن الرؤية الموسيقية والتوزيع الموسيقي لهما حقوق ملكية أيضا، ولكن ربما ليس في مصر. وكنت قد كتبت سابقا على قناة اليوتيوب أن "هناك أغاني كثيرة تحمل نفس الاسم "يا عزيز عيني"، أذكر منها أغنيات لمحمد رشدي وهدي سلطان والثلاثي المرح، ولكن في أغلب الظن يعود أصلها إلي غناء المجندين المصريين في الجيش الإنجليزي في الحرب العالمية الأولي (1914/1918)، في حرب ليست لهم يخوضونها بالإكراه "يا عزيز عيني وأنا بدي أروح بلدي وأشوف عزيزة بنتي ومحمد أفندي ولدي". وعلمت أن سيد درويش لحن أغنية بنفس الاسم".
كتبت هذا في 7 يوليو 2008.

يوم 2 يونيو 2012، تم إهداء أغنية إلى قنوات النهار بصوت المطرب الكبير محمد منير، وهي مقتطعة من فيلم تسجيلي باسم "عزيز عيني" لمخرجة اسمها ريهام إبراهيم تعمل أيضا كمذيعة بقناة النهار. هذه الأغنية هي أغنيتي سالفة الذكر، ولكن دون أن يذكر اسمي عليها، ودون علمي، أو موافقتي. الاختلاف الوحيد كان أن الموزّع قام بتغيير مقام الأغنية إلى آخر – من البيّاتي إلى النهاوند.
قررت أن أتعامل مع الأمر بغير تسرّع لأن الكنج، محمد منير، فنان كبير – إن لم يكن هو الأكبر في جيله وجيلنا – وقررت البحث وراء ما يبدو كسوء تفاهم يمكن توضيحه وتسويته. نشرتُ الخبر في صحف قليلة، أغلبها إلكترونية وأغلب من كتب أصدقائي.
وصل الخبر إلى شريف نور، مدير فرقة منير وموزّع الأغنية، وإلى المخرجة ريهام إبراهيم، ولكنه لم يصل إلى منير. حاولت الوصول إلي منير عن طريق صديق لصديق لي.

أرسل لي شريف نور ردًّا من خلال شخص آخر على موقع فيسبوك، بأنه ينسب إلى نفسه التوزيع فقط. وأن هناك مخرجة أفلام تسجيلية هي التي أحضرت الأغنية وطلبت من منير غناءها وأنها لم تخبره من هو المؤلف أو صاحب الرؤية الموسيقية. وأنه ومنير ليس لهما علاقة بالأمر والمشكلة بيني وبين المخرجة.
اندهشتُ من أنه يعتبر تغيير المقام أحد أشكال التوزيع، ولكن كان ردّه متّفقا مع رأي المحاميين: منير مجرّد مؤدّي، والمشكلة القانونية مع المخرجة التي هي أيضا المنتجة. مسئولية الكنج هنا أدبية لا قانونية.
المخرجة بدورها اتّصلت بي هاتفيّا، بعد أن طلب مني رقم تليفوني صديق لها، على الفيسبوك أيضا. قالت أنها وجدت الأغنية دون اسم أحد على الإنترنت وأنها لا مانع لديها في كتابة اسمي. وأن منير لم يتقاضى أي أجر لموضوع الفيلم. وأضافت أن فيلمها "عزيز عيني" إنتاج مستقل وغير ربحي، وأن موضوع الفيلم هو أحد مصابي الثورة الذين فقدوا أعينهم في أحداث محمد محمود. في البداية لم أعلم ما الذي يجب أن أطلبه. ربما لا يجد المرء نفسه في ورطة كهذه أكثر من مرة واحدة في حياته. على أنّها رفضت دفع المبلغ الرمزي الذي طلبته، وقالت بأنها لم تخطأ في شيء. رفضت كذلك ومن هاتفني من طرفها كتابة أي تعاقد معي لأن الفيلم مستقل وبلا أي أوراق. وكانت الرسالة الختامية أنني يمكن أن أذهب للقضاء إذا أردت. وما يمكنها منحي فقط هو كتابة اسمي على الفيلم وألف جنيه وهو ما قالوا أنه يعادل 10% من ميزانية الفيلم.

لم يصل الأمر إلى منير إلا بعدها بأسابيع، عن طريق هذا الصديق الذي أشرت إليه. صديق صديقي. لم يصل له أي شيء مما دار على الإنترنت أو بيني وبين الموزّع أو المخرجة. وعندما علم منير هاتف صديقي هذا وأخبره أنه لم يعلم أن الأغنية لها كاتب، وأكّد أنه سيتّصل بالمخرجة ليجعلها تسوّي المسألة، لأنه لا يرضى بمثل هذا. أخبره صديقي أنه ليس المؤلّف وأنه صديق المؤلف لا أكثر. وانتهت المكالمة. لم تتصل المخرجة، وبالطبع، لم أتوقّع منها أن تفعل.

بدأت أرى الأمر بشكل مختلف. وبدأت الأسئلة؛ أحبها دوما أكثر من الأجوبة. 
المخرجة تأثّرت جدًا بالأغنية، حتى أنها أطلقت على فيلمها اسم "عزيز عيني"، ومنير أخبر صديقي أن الكلام رائع وأنه أعجب به كثيرا. لماذا لم يتجاوز هذا التأثير والإعجاب، لم يتجاوز الأغنية ليصل إلى مؤلّفها ومبتكر رؤيتها الموسيقية؟
لماذا يرون الأغنية ولا يرونني؟ لماذا لم يفكّر منير في الاتصال بي بوصفي الكاتب واكتفى بالاتصال بصديقي؟ لماذا لم تعتبرني المخرجة بأهمية الأغنية؟ النتيجة هي أنهما يعرفون الأغنية جيدا، ولا يعرفونني.

كذلك، لم يسألني أحد مثلا عن رأيي في تغيير المقام. ما عمل عليه الموزّع هي رؤيتي الموسيقية وليست الأغنية الفولكلورية القديمة، ولكنه جعل الأغنية في النهاوند. لم يكن هذا اختياري. من الغريب أنّا لدينا في الفولكلور المصري تيمتان هما نفس اللحن والكلام ولكن واحدة في البياتي والأخرى في النهاوند. التيمة التي في النهاوند أستعملها منير مراد في أغنية لهدى سلطان بنفس الاسم، وسمعناها مثلا من عادل إمام في لصوص ولكن ظرفاء "بلدي طنطا" وهو ما صارت إليه أغنيه محمد منير بعد التحويل. سيد درويش لم يستخدم ذلك ولكن التيمة الأخرى التي استخدمتها أغنيتي أيضا .. في مقام البياتي.
أصبح شكل الأغنية الثاني أمرا واقعا. وفي الواقع الجديد، من المطلوب مني أن أقبل الحقوق التي تُمنح لي، لا ما أطلبه مقتنعا بأنه ما يجب أن يكون.
في الوسط المستقل   the Underground، تعرفني الناس جيدا. أو على الأقل تعرف الفيلم والأغنية. لا أحتاج لإثبات ملكيتي لها. ولكن الأغنية "الثورية" صارت الآن، على موقع يوتيوب وقنوات النهار، صارت "أغنية منير". يمكنه أن يغنيها في أي حفل له، كما يمكن للمخرجة أن تبيع الفيلم لأي قناة فضائية.
في التيار السائد the Mainstream والذي نطلق عليه كذلك اسم الوسط التجاري، تحدث خلافات بشأن حقوق الملكية أحيانا. ولكن الفارق بين هذا والحال في المستقل هو أن الأمور في الوسط المستقل دائما ما تسير على نحو ودّي فيما يتعلّق بالإنتاج. وهذا لطيف ولكنه غير احترافي. ربما لأن التيار التجاري دائما ربحي فاستوجب ذلك وجود عقود واضحة للحقوق المادّية للجميع؟ يدعّم هذا أن بداية التفكير في أمر التعاقدات بالنسبة للمستقلين تكون دائما مع إنتاج أوّل ألبوم أو مع إقامة حفل، فتكون التعاقدات (تنازلات من الشعراء والملحنين في المثال الأوّل، وتعاقدات بها شروط جزائية أو حديث عن نسبة توزيع التذاكر في المثال الثاني). هل يقدّر الملحنون والشعراء في الوسط المستقل قيمة وقدر حقوق الملكية، أو ضرورة التعاقد أو احترامه؟ بدأت هذه الثقافة، حقوق الملكية والتعاقد، تثير اهتمامي.



رغبت بشدّة في غناء جزء لحنته من قصيدة "المتهم" لعبد الرحمن الأبنودي. يتكلم في هذه الأغنية عن تورّط بعض القضاة مع الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة، فينتهي الأمر بتيرئة القتلة وسجن "الثوّار". ولكني لم استطع الوصول إلي الشاعر الكبير، ولم يستجب لمكالمتي أو رسالتي، فاضطرت إلى أرشفة المشروع، رغم الألم. حتى إذا كان الهدف نبيلا، فالشاعر من حقه أن يرفض، أو حتى ألا يرد على اتصالك. لا يمكنني أن أتجاهله وأغنيها على أساس أننا سنتفاهم لاحقا وأنه سيقدّر. هل هذا موقف مثالي؟ لا .. إنها حقوق الملكية.

وبالنسبة لموضوع أن الأغنية عن لحن فولكلوري، فقناعتي هي أن الفولكلور ملك الجميع. هو منتج فني جماعي تاريخي .. لا يكون له اسم مؤلف أو ملحّن لأن كل جيل يساهم فيه. والذاكرة الجماعية هي اللي تحيي ما تحيي وتنسى ما تنسى، في فرزها للمساهمات .. وهي لا ترحم. ولكن هناك ما يسمّى ب "إعادة إنتاج" أو "توزيع" أو "رؤية" الفولكلور. في هذه الحالة يصبح المنتج الجديد بالمساهمة الخاصة بك شيئا مختلفة .. ولك كل حقوقه. ضربت مثلا قبل ذلك بتصوير الشجرة. هي موجودة في الواقع وأي شخص يمكنه تصويرها، ولكن المنتج الخاص بي، الصورة، ملكي ولي حقوق ملكيته. ربما تصير هذه الصورة هي الأصل بعد 100 عام. وربما لا. وليس للدولة الحجر على الموسيقيين الذين يعملون على الفولكلور بزعم امتلاك حقوق ملكيته، لأن هذا لن يسمح بالعمل عليه وتطويره. أي سيصبح متحفيّا رغم أنه يمكن أن يتطوّر ويمكن أن ينتشر ليصل لكل الناس. ما عليها فقط في رأيي هو حمايته بتسجيله وتدوينه، ثم جعله متاحا لأي شخص يريد الاستفادة منه.

من لا يحب المطرب محمد منير، أو يمكنه إغفاله مكانته في العشرين سنة الأخيرة؟ 
ثقافتي الموسيقية السمعية بها من أعماله الكثير، وأعتقد أن هذا ينطبق كذلك على كل موسيقيّ جيلي. منذ عام أو يزيد أرسل لي أحدهم على الفيسبوك يطلب استخدام الأغنية في فيديو له. لم أرفض، فقط طلبت منه ذكر اسمي ومؤديين الأغنية. المشكلة في تلك الحالة الأخرى أن المخرجة لم تستأذن مني قبل أن تفعل ذلك. والمشكلة كذلك أن الذي غنّى الأغنية هو محمد منير. ربما إذا استخدمت المخرجة أي مطرب آخر من التيار المستقل، لكانت المشكلة بسيطة. ولكن الأمر هنا مختلف. هؤلاء الملايين الذين يحبّون منير واستمعوا له يغني للثورة، لا يعرفون بأن هناك مؤلف لهذه الأغنية وصاحب لرؤيتها الموسيقية، ولا أنه لم يوافق على استخدامها. هي الآن "أغنية منير".

فقط أسأل تلك الأسئلة، التي ربما لن يقرأها منير أبدا. فهو ليس معي على الفيسبوك، كما أني لست معه في "الوسط التجاري" (رغم أنني يمكنني توصيل رسائل له أحيانا مع أصدقاء الأصدقاء).


لا أقبل فكرة أن المخرجة التي تنتج أفلاما "مستقلة" لم تعلم عن فيلم "عين شمس"، الذي أثار مشاكل مع الرقابة وحصد جوائز دولية، وبالتالي كان لديها نقص في المعلومات حال دون الوصول لي.
كذلك، لا أقبل فكرة أن الكنج، الذي يعتمد نصف مشروعه على الفولكلور كلاما وموسيقى، لم يسمع قبل ذلك الأغنية الفولكلورية "يا عزيز عيني" بصوت سيد درويش. لأن هذا سيثير السؤال كيف لم يلاحظ الفرق بين كلمات الأغنية القديمة وكلام أغنيتي؟!
بالإضافة إلى هذا، لا أقبل فكرة أن فريق عمل الكنج لم يبحث عن كاتب الأغنية أو بحث فلم يصل له. لا شك أن لديه فريق عمل من المحترفين. الموسيقيون المستقلون يحسدون موسيقيّ التيار السائد على هذا. يتمنون، وأنا منهم، أن تكون تحت يديهم الإمكانيات التي يتيحها العمل في الوسط التجاري. فتجد باحثا يوفّر لك التسجيلات المتاحة للأغنية الفولكلورية بالأصوات والتوزيعات المختلفة، وكاتبا للكلمات، وموسيقيا لوضع الرؤية الموسيقية، ومدير دعاية لنشر الأغنية بعروض فنية، وموزّعا أو منتجا فنيا للأغنية يختار الآلات والتوزيع، ومهندس صوت للتنفيذ في الأستوديو، ومدير تسويق لنشر الفيديو على الإنترنت ورفعه على موقع اليوتيوب، فضلا عن مدير أعمال للمساعدة في الاختيارات، الخ.  مطربو الوسط السائد، ومنهم منير، لا يفعلون كل هذه الأشياء بأنفسهم. يعتمدون على مؤسسة أو فريق عمل. لكني فعلت كل هذا وحدي، بهذه الأغنية. جدير بالذكر أن هذه مجرد أغنية واحدة وأن هناك أغان أخرى لي تستوجب جهودا مماثلة، وأنني أعمل كمترجم محترف ولي كتاب مترجم منشور واثنان تحت الطبع، وأحيانا أعمل في الإدارة الفنية أو الثقافية، أقوم بكل هذا لكي أنفق على مشروعي الموسيقي. في العادة لم أكن أسجّل كلمات الأغاني الخاصة بي ولا الألحان، ولكني اكتشفت ضرورة هذا وبدأت أقوم به مؤخرا. يضاف هذا لقائمة ما يلزم لأن أقوم به، وحدي.
وعلى أي حال، لا أعتقد أنني سأكون بحاجة لتسجيل أغاني مثل "واطي يا واطي" أو "لسانك حصانك" أو "بتغني لمين يا حمام" بكلماتي الجديدة، لأنها أغاني ثورية يتجاوز سقفها المسموح به.  يصعب أن يغنيها أحد في الوسط التجاري – متجاهلين المؤلف والملحن كالعادة، وفي الوسط المستقل لن يغنيها أحد دون سؤالي لأنهم يعرفونني جيدا. فحتى بعد الثورة، لا يزال هناك خط ما يحدّد ما هو مسموح به في الفضائيات وبالتأكيد تليفزيون النظام – لا الدولة – ، وهذا الخط يضيق بمرور الوقت. هل لهذا السبب لم يغني منير الكوبليه الأخير من الأغنية، والذي يعتبره البعض أفضل ما فيها؟ أسئلة كثيرة أتمني أن يوجهها من يهمه الأمر إلى الكنج، إذا شعر، مثلي، أن الإجابات المتاحة، غير معقولة. منها أيضا إجابات تتعلق بعدم تلقّي أي رد من قناة النهار إزاء طلبنا بالظهور مع محمود سعد للكلام عن مشكلة الأغنية.


صديق لي قال: "لا تحكم على منير لأنك لست مكانه. لا تعلم كيف تجري الأمور هناك. ربما ستتصرف على نحو مختلف إذا كنت في هذا الوسط التجاري." ربما. على أي حال، حرصتُ على تسجيل هذا هنا، ليلوّح به أي منكم في وجهي، إذا ذهبت يوما ما "هناك" وتصرفتُ على نحو مختلف عما أنا عليه الآن، فيما يتعلق بتقدير المؤلفين في الوسط المستقل.
أخذت الصورة ملامح مختلفة مؤخّرا. بدأت أرى أنني "غير موجود" بالنسبة للأطراف الأخرى.  كذلك، لا تبالي المخرجة كثيرا باحتمال أن أرفع قضية. من سيأبه بملحن "غير معروف" اسمه أيمن حلمي؟ لن يمكنه في النهاية تحمّل عناء ومصاريف المحاكم. يعوّل من يحظون بوجودهم في الوسط التجاري كثيرا على قناعتهم بأنه لديهم، بعكس الوسط المستقل، "للبيت رب .. وللطفل أب". كذلك، لا يعتقد أي أحد أنه أخطأ في أي شيء. هذا فضلا عن الاستعلاء الذي دائما ما يظهر في علاقة التجاري بالمستقل. يعني هذا ضمنيا أن فكرة الاعتذار، في هذا السياق، هي أقرب لأدب الخيال العلمي.

دفاعا عن أغنيتي، التي لا أحتاج لدليل يثبت ما بذلته فيها من ألم، عن لحظات صدق عشتها أتذكرها فابتسم رغم ما تستدعيه من حزن، وترسيخا لثقافة حقوق الملكية في الوسط الموسيقي المستقل وأن مبتكر العمل له حقوق أدبية ومادية ليس لأحد إنكارها، وعن قيمتي كملحّن وشاعر، قيمة لم يقدّرها من استباح لنفسه أعمالي، سآخذ الأمر لآخر ما يمكنني أن آخذه.. وهي ليست بمعركتي وحدي ..

هذا الأسبوع أبدأ أوّل إجراءات التقاضي لإثبات واستعادة حقي المادي والأدبي، وأتمني لهذه القضية حظا أوفر من قضية الحريق.

ترددت كثيرا بين هذا القرار وبين أن أتجاوز الأمر وأنساه. من يسعى نحو "وجع الدماغ"؟ ولكن أصدقاء لي ومحبّون كثيرون، بعضهم لم أقابله قط، جعلوني أشعر مجددا بقيمة عملي من خلال دفاعهم عنه، وحماسهم لقضيتي. شعرت بمسئولية نحو كل من آمن بي وأعمالي وشعر إن هذا الاعتداء .. اعتداء عليه. ومسئولية نحو كل فنان مستقل يمكن أن تنتهك حقوقه يوما ما، لأنني سمحت بحدوث هذا لي.

أدين كذلك لهذه الأغنية بالكثير، أغنية حالت يوما دون احتراقي. إنها عزيز عيني يا كنج.


أيمن حلمي
يوليو 2012


برجاء النشر، وإعطاء وسائل الاتصال بي للصحفيين، خاصة الجرائد الورقية. 


أغنية الفيلم
http://www.youtube.com/watch?v=haHHVyigXtc

الأغنية بصوت منير
http://www.youtube.com/watch?v=0FRIPFd3NjY


منقول ..
سيزيف


Sunday, October 30, 2011

مع الشهداء ذلك أفضل جدًا






يومان قضيناهما فى المشرحة، يومان مع جثامين تناضل للاحتفاظ بلقب شهيد، تناضل ضد نظام مبارك كله؛ ليس فقط عسكر مبارك الذين دهسهم، ولا إعلام مبارك الذى سحب منهم لقب شهيد ونعتهم بالقتلة، ولا نيابة مبارك التى تملصت من البحث عن حقهم، بل ناضلت الجثامين لتحتفظ ببهاء يليق بالشهادة فى مشرحة مستشفى حكومى فقير منعدم الإمكانيات. ناضلت ضد خرافات عصر مبارك القائلة إن التشريح تمثيل بحرمة الميت لا انتصارا لحقه، ناضلت ضد سطوة فقهاء وقساوسة السلطان القائلين إن الباحث عن العدالة فى الحياة الدنيا وكأنما تخلى عنها فى الآخرة، ناضلت ضد طائفية مبارك التى تجعل فقير يرى فى فقير مثله عداوة ليلتهى عمن سرق لقمة عيشهما.

يومان برفقة موت رحيم وخجل لا يرحم، لماذا يا ربى أغلب شهدائنا فقراء؟ كيف ميزت المدرعة والبندقية؟ الدم واحد والقبر واحد ومع ذلك خذلنا الشهادة مرة تلو الأخرى.
مصر معجبانية وبتختار أحلانا، ومينا دانيال زين ما اختارت. لولاه ما انتصرنا فى المشرحة.


طوبى للضعفاء

جاءوا للمستشفى بالمئات بحثا عن أجساد جريحة لعلاجها وأجساد مقتولة لدفنها، جاءوا للمستشفى بحثا عن مأوى فى ليلة تجسدت فيها كل مخاوفهم، جاءوا للمستشفى بحثا عمن يشاركهم الغضب، بحثا عن قوة فى العدد. جاءوا كقطيع الكنيسة. وحاصر المستشفى معتدون مدنيون (ربما هم المواطنون الشرفاء الذى يخاطبهم عسكر مبارك ليل نهار) وبتواطؤ من حماة الأمن وحماة الثورة ليؤكدوا لهم ألا انتماء لكم سوى لقطيع الكنيسة.

جئنا نحن نبحث عن رفيق ميداننا، صاحب البسمة الساحرة، مينا الذى يشبهنا ونشبهه. اختارت الشهادة مينا لأنه ينتمى لقطيع الميدان والثورة، هكذا فهمت من أسرته التى أصرت أن تشرك زملائه فى كل قرار ــ لأنهم زملاؤه. ناضل مينا من خلف ستار العالم الآخر لتنفتح قلوب أهالى الشهداء لنا ونصبح رفاق كفاح واحد. فالدم واحد والدمع أيضا واحد، وكما رأينا الحقيقة فى دموع أمهات الشهداء بعد أن افتقدناها فى شاشات التليفزيون رأوا الحقيقة فى دموعنا. فهموا أننا رفاق مينا ونسوا أن يسألونا عن أسامينا بالريبة المعتادة.

أصدر المستشفى تقريره على نهج ماسبيرو: ماتوا بسكتة قلبية، أو كانت مشاجرة؟ تقدم القساوسة بنصيحتهم: لندفنهم سريعا فالجو حار والمشرحة بلا ثلاجات. تدخلنا نحن بغرور الميدان وسذاجته: ماذا عن العدالة؟ ماذا عن القصاص؟ هؤلاء آخر فرصة لإثبات الجرم، نحتاج لتقرير طب شرعى.

أى خبل هذا، أنمثل بأجساد أبنائنا بحثا عن عدالة لم نرها ولا مرة؟ ولا حتى مصادفة؟ أى عدالة ونحن فقراء؟ أى عدالة ونحن أقباط؟ أى عدالة والقاتل يحكم؟ ألا تفهمون أننا ضعفاء؟

لكن بين صفوفنا مينا، وكانت أخته أول من وافق على التشريح، وبدأوا يقتنعون الواحد تلو الآخر، على مضض وتحت إلحاحنا وتشجيع الحقوقيين، ساعات من البكاء والنقاش والأحضان. نحارب الزمن خلالها بألواح ثلج ومراوح بائسة عسى أن تكون محبتنا كافية للحفاظ على طهارة الجثامين.

بمطلع نهار اليوم الثانى جاءت النيابة لتجد نصف الأهالى يطالب بالتشريح، فأصدر سيادة القاضى فرمانه: إما أن يصدر تصاريح دفن أو تكليف للطب الشرعى، أليس الكل فى الموت سواء؟ وطبعا لم يبخل القساوسة بنصائحهم: رفاقهم سيصلى عليهم سيدنا بعد وقت وجيز، لو تأخرتم يكون قد رجع إلى قلايته، ارحموا أبناءكم فجزاؤهم فى الجنة كبير.

وقفنا صفا واحدا على جبهة صراع مع النظام، لكن هذه المرة الجبهة فى العقل، وخط النار على القلوب. وكما انهزم النظام أمام صفوف الهتاف وصفوف الطوب، انهزم أمام صفوف التضامن. بعد سجال طويل أصدرت النيابة أمر بتشريح كل الجثامين.. بشرط أن نؤمن نحن عمل لجنة الطب الشرعى.

نعم، بدأ الأمر بأننا مسئولون عن تأمين تظاهراتنا، ثم تطور لنصبح مسئولين عن تأمين المنشآت العامة، وها نحن اليوم مسئولون عن تأمين موظفى الدولة إن أردنا أن تتصرف الدولة وكأنها دولة. لم نشغل نفسنا بسؤال «وما دور الشرطة والجيش»، فالإجابة واضحة على أجساد الشهداء.

قلنا للأهالى التشريح سيطول، دعونا ننقل الجثامين لمشرحة زينهم حيث الإمكانيات أفضل. عاد الخوف إلى عيونهم؛ صحيح نقل مينا لهم عدوى الإيمان بمصر، لكن ماكينة الإشاعات لم تتوقف عن العمل وعصابات الشرفاء لم تتوقف عن ترويع الجمع طوال الليل. لم يقولوها صراحة إكراما لنا لكننا فهمنا: لن نترك الحى القبطى، فنحن لا ندرى أى شر ينتظرنا خارجه.

كان علينا إذن أن نؤمن المستشفى، ونضمن للجنة ظروفا مناسبة للعمل. كان علينا أن نخلى المبنى من آلاف خائفة، ونضبط سلوك آلاف غاضبة. وما نحن إلا قلة دخيلة. كان علينا، ويا للمفارقة، أن نقوم بدور يشبه دور الأمن المركزى. جبهة جديدة ولا نملك إلا وحدة صفنا.

بدأت اللجنة عملها تحت حمايتنا، وتحت إشراف محامينا وأطبائنا، جنودنا المجهولين الذين خبروا كل مظاهر الظلم فأصبحوا أعلم بشواهد القتل والتعذيب وقرائن الجرائم والمذابح من خبراء الطب الشرعى. باشرت اللجنة عملها وكلنا قلق أن يدخل أحد الأهالى ويرى المشرط فى جسد ابنه فيهيج، أو أن تنهار صفوفنا أمام هجوم الشرفاء أو غضب المنكوبين.


مملكتى ليست من هذا العالم

تقلق وحدة صفنا كل المستفيدين، وأخطرهم تجار القضية، حلوا علينا بسمهم المعسول: أتثق فى تلك المحامية؟ دى شابة ومش عارفة حاجة.. أنا عندى خبرة طويلة، ومين دول؟ دول كلهم مسلمين، تأمن لهم إزاى؟ لقد حذرتنا من شهور يا مينا عندما قلت لنا: ضرورى ينضم ماسبيرو للتحرير، ضرورى مطالب الأقباط تبقى مطالب الشعب ومطالب الشعب تبقى مطالب الأقباط. والاختبار صعب يا مينا، فالسلطة غشيمة تضرب بعشوائية، أما هؤلاء فيعرفون موضع الجرح بدقة. قضينا باقى اليوم نحارب شائعاتهم الكاذبة واتهاماتهم الباطلة. نعيد كسب ثقة الجمع ونعيد له هدوءه.

قمنا بدور تصورنا فى البداية أنه شبيه بدور الأمن المركزى، لكن شتان، لن أفهم أبدا بعد اليوم كيف يتصور أى جهاز أمنى فى أى مكان فى العالم أن العنف وسيلة فعالة فى ضبط سلوك جماهير غاضبة أو خائفة، من الذى أشار على كل حكومات الأرض أن النزول بسلاح فى مواجهة جماهير سيهدئهم؟ لم نملك سلاحا أمام موجات الغضب إلا الأحضان، رمينا أجسادنا أمام الجموع وبالحضن وبدموع تبكى الشهداء استطعنا أن نبدد ضلالات واقع طائفى عسكرى وننشر حقيقة حلم مصر الحرة.

يا مينا، مصر الميدان هشة ممكن رصاصة واحدة طائشة تطيح بها.. يا مينا، مصر الميدان قوية ممكن حضن واحد ينقذها.. يا مينا، فى حضرتك فهمت تعاليم الأنبياء، متى يفهم العسكر؟

عندما بدأت لجنة الطب الشرعى عملها تذمر الخبراء من نقص الإمكانيات، من سوء الظروف، من فرض رقباء عليهم، ولكن فى النهاية فرض عليها أن تقوم بعملها. عندما قاربت اللجنة على الانتهاء من التشريح وبدأت فى كتابة أسباب الوفاة فجر أحدهم إشاعة أن التقارير كاذبة، ولأن أسباب الوفاة قد تذكر جرحا واحدا فقط هو القاتل حتى لو كان بالجسد عشرات الجروح صدق أهالى الشهداء وهاج الجمع وانهارت صفوفنا.

ونحن على شفا الانتصار واجهنا أصعب محنة، الأهالى آمنت بحلم العدالة، وتركتنا نعبث بأجساد أبنائها، وفاتها كرامة أن يصلى عليهم سيدنا بل وقد يتأخر الدفن لليلة أخرى، ضحوا بكل ما طلبنا منهم أن يضحوا به رغم ترددهم فى البداية، والآن يريدون ضمانا، يريدون أن يحسوا بتلك العدالة، ونحن نقدم لهم كلاما تقنيا وكعابيل قانونية غير مفهومة. لماذا يقول التقرير دهس بمركبة ثقيلة؟ الحق بيّن وكلنا نعلم أنها مدرعة، لماذا لا يقول مدرعة؟ ما هذا المقذوف النارى؟ لماذا لم تكتبوا «رصاص ميرى؟»، ألم تعدونى بعدالة؟ أين اسم الجانى وكلنا نعرفه؟

لم أعِ متى انتصرنا، فقد كنا غارقين فى تفاصيل التفاصيل، لكن فى لحظة نظرت حولى فوجدت وحدة صفنا صارت تشمل العاملين فى المستشفى والأطباء والقساوسة. ماذا فعلت يا مينا؟ هل أيقظ ضعف ورقة حال أهلك ضميرهم أم أيقظت قوتك خيالهم؟ هل تخطينا كل تلك الحواجز فى ساعات فعلا؟ بل انضم لنا أطباء الطب الشرعى أيضا، كان الحل الوحيد هو أن نجلس مع كل أسرة على حدة، نشرح معنى أسباب الوفاة، والتفاصيل التى ستضاف لتقرير الطب الشرعى، ودور النيابة، ودور المحامين، وانتقلت العدوى للطبيب الشرعى وتحول من مجرد موظف إلى مشرف على العدالة، ربما عندما اضطر أن يترجم لغة تقارير اعتاد ألا يقرأها إلا الأقوياء إلى لغة الضعفاء تذكر أن الحق دائما مع الضعفاء؟ رأيتهم يصفون ملامح الشهداء للأهل ليطمئنوهم أنهم ليسوا مجرد جثث، ليثبتوا أنهم يعرفونهم ويهمهم ذكراهم. رأيت ما استشهدت أنت من أجله يتحقق ولو للحظة.

فى طريقنا للكنيسة كان انتصارنا كاملا، لم يعد أحد يسأل عن اسم من شارك فى حمل الشهداء، ومن قاد الهتاف، هل كان مسلما من اقترح أن نهتف «يا نجيب حقهم يا نموت زيهم»؟ يا له من سؤال سخيف. الدم واحد والدمع أيضا واحد.


فأدر له الخد الأيسر

قبل المستشفى القبطى كنا فى مستشفى آخر بعيدا عن الأحداث، ننتظر صورة أشعة على قدم أحمد المصاب برصاص حى.

وجدنا أحمد فى شارع طلعت حرب، كان يحاول مع رفاقه إنقاذ الوطن بالعودة لميدان التحرير. لم يكن قد مر على سقوط الشهداء إلا ساعات معدودة، لم يفكر الشباب فى موازين القوة، هل عددهم يكفى أم لا، ما العمل والقوات غير المسلحة (وفقا للمؤتمر الصحفى العالمى) تطلق الرصاص بسخاء. فكروا فقط فى هول ما سيحدث إن تُرك الميدان لمظاهرة المرتزقة التى انطلقت بمباركة الجيش والشرطة تهتف «إسلامية إسلامية». كنا جميعا نعلم أنها مظاهرة مفتعلة، محاولة لصبغ مذبحة عسكرية بصبغة أهلية وإلصاق التهمة بالسلفيين.

بدا لنا أحمد كبطل أسطورى وهو يقاوم زملاءه رافضا الذهاب إلى مستشفى متعللا بأن الجرح خفيف وأكيد الطلق مجرد خرطوش. أقنعناه أن نذهب لمستشفى خاص بعيد عن الأحداث وحملناه على أكتافنا. فى التاكسى حكى لنا أنه اعتقل وذاق تعذيب الجيش الذى لا يخطئ وجرب «نزاهة» قضائه العسكرى، حكى لنا عن إصابته فى موقعة الغدر بالعباسية. لم تمنعه الإصابات من النزول مجددا فى مواجهة الرصاص.

فى المستشفى بعد أن اكتشفنا أنه مصاب برصاص حى لا خرطوش حل علينا ضابط مباحث لاستجوابه، أبهرتنا صلابة أحمد وهو يرد على الضابط بكل برود وتحد، وأبهرنا أكثر اشمئزازه من تعليق ضابط المباحث «مسلم يعنى» عندما سأل عن اسمه. هل كان سيمنعه من العودة إلى بيته لو كان مسيحيا مثلا؟

لم يتبين لنا أن أحمد ضعيف مثلنا إلا من بكائه فى حضننا عندما طهر الطبيب جرحه، ولم ننتبه إلى أنه فتى فى سن الثانوى إلا وهو يرد بخوف على والدته فى المحمول: «ماسبيرو إيه بس يا ماما، لا أنا خارج مع أصحابى».

هل يعرف اللواء حمدى بدين أن بين صفوفنا من يخاف والدته الحنون أكثر مما يخاف الرصاص والمدرعات؟ هل سمع المشير هتافنا «يا مشير يا مشير من التحرير هنزف عريس» ونحن نصحب مينا فى زيارته الأخيرة للميدان؟ هل يفهم أى من العسكر معنى زيارة أم خالد سعيد لأم مينا دانيال؟ أم أنهم نسوا الدم والدمع والحضن والحلم ولم يعد لهم مكان فى صفوفنا حتى بعد أن اتسعت لتشمل من خذلونا من قبل؟