سيزيف مصري

في الأسطورة الأغريقية، سيزيف في الجحيم وعقابه أن يرفع صخرة من القاع حتي قمة جبل شاهق، وقبل أن يصل بقليل تسقط منه لأسفل، فيعود ليبدأ من جديد، بلا نهاية. ما أشبه ذلك بنا، أولادك يا بلدي

Sunday, October 30, 2011

مع الشهداء ذلك أفضل جدًا






يومان قضيناهما فى المشرحة، يومان مع جثامين تناضل للاحتفاظ بلقب شهيد، تناضل ضد نظام مبارك كله؛ ليس فقط عسكر مبارك الذين دهسهم، ولا إعلام مبارك الذى سحب منهم لقب شهيد ونعتهم بالقتلة، ولا نيابة مبارك التى تملصت من البحث عن حقهم، بل ناضلت الجثامين لتحتفظ ببهاء يليق بالشهادة فى مشرحة مستشفى حكومى فقير منعدم الإمكانيات. ناضلت ضد خرافات عصر مبارك القائلة إن التشريح تمثيل بحرمة الميت لا انتصارا لحقه، ناضلت ضد سطوة فقهاء وقساوسة السلطان القائلين إن الباحث عن العدالة فى الحياة الدنيا وكأنما تخلى عنها فى الآخرة، ناضلت ضد طائفية مبارك التى تجعل فقير يرى فى فقير مثله عداوة ليلتهى عمن سرق لقمة عيشهما.

يومان برفقة موت رحيم وخجل لا يرحم، لماذا يا ربى أغلب شهدائنا فقراء؟ كيف ميزت المدرعة والبندقية؟ الدم واحد والقبر واحد ومع ذلك خذلنا الشهادة مرة تلو الأخرى.
مصر معجبانية وبتختار أحلانا، ومينا دانيال زين ما اختارت. لولاه ما انتصرنا فى المشرحة.


طوبى للضعفاء

جاءوا للمستشفى بالمئات بحثا عن أجساد جريحة لعلاجها وأجساد مقتولة لدفنها، جاءوا للمستشفى بحثا عن مأوى فى ليلة تجسدت فيها كل مخاوفهم، جاءوا للمستشفى بحثا عمن يشاركهم الغضب، بحثا عن قوة فى العدد. جاءوا كقطيع الكنيسة. وحاصر المستشفى معتدون مدنيون (ربما هم المواطنون الشرفاء الذى يخاطبهم عسكر مبارك ليل نهار) وبتواطؤ من حماة الأمن وحماة الثورة ليؤكدوا لهم ألا انتماء لكم سوى لقطيع الكنيسة.

جئنا نحن نبحث عن رفيق ميداننا، صاحب البسمة الساحرة، مينا الذى يشبهنا ونشبهه. اختارت الشهادة مينا لأنه ينتمى لقطيع الميدان والثورة، هكذا فهمت من أسرته التى أصرت أن تشرك زملائه فى كل قرار ــ لأنهم زملاؤه. ناضل مينا من خلف ستار العالم الآخر لتنفتح قلوب أهالى الشهداء لنا ونصبح رفاق كفاح واحد. فالدم واحد والدمع أيضا واحد، وكما رأينا الحقيقة فى دموع أمهات الشهداء بعد أن افتقدناها فى شاشات التليفزيون رأوا الحقيقة فى دموعنا. فهموا أننا رفاق مينا ونسوا أن يسألونا عن أسامينا بالريبة المعتادة.

أصدر المستشفى تقريره على نهج ماسبيرو: ماتوا بسكتة قلبية، أو كانت مشاجرة؟ تقدم القساوسة بنصيحتهم: لندفنهم سريعا فالجو حار والمشرحة بلا ثلاجات. تدخلنا نحن بغرور الميدان وسذاجته: ماذا عن العدالة؟ ماذا عن القصاص؟ هؤلاء آخر فرصة لإثبات الجرم، نحتاج لتقرير طب شرعى.

أى خبل هذا، أنمثل بأجساد أبنائنا بحثا عن عدالة لم نرها ولا مرة؟ ولا حتى مصادفة؟ أى عدالة ونحن فقراء؟ أى عدالة ونحن أقباط؟ أى عدالة والقاتل يحكم؟ ألا تفهمون أننا ضعفاء؟

لكن بين صفوفنا مينا، وكانت أخته أول من وافق على التشريح، وبدأوا يقتنعون الواحد تلو الآخر، على مضض وتحت إلحاحنا وتشجيع الحقوقيين، ساعات من البكاء والنقاش والأحضان. نحارب الزمن خلالها بألواح ثلج ومراوح بائسة عسى أن تكون محبتنا كافية للحفاظ على طهارة الجثامين.

بمطلع نهار اليوم الثانى جاءت النيابة لتجد نصف الأهالى يطالب بالتشريح، فأصدر سيادة القاضى فرمانه: إما أن يصدر تصاريح دفن أو تكليف للطب الشرعى، أليس الكل فى الموت سواء؟ وطبعا لم يبخل القساوسة بنصائحهم: رفاقهم سيصلى عليهم سيدنا بعد وقت وجيز، لو تأخرتم يكون قد رجع إلى قلايته، ارحموا أبناءكم فجزاؤهم فى الجنة كبير.

وقفنا صفا واحدا على جبهة صراع مع النظام، لكن هذه المرة الجبهة فى العقل، وخط النار على القلوب. وكما انهزم النظام أمام صفوف الهتاف وصفوف الطوب، انهزم أمام صفوف التضامن. بعد سجال طويل أصدرت النيابة أمر بتشريح كل الجثامين.. بشرط أن نؤمن نحن عمل لجنة الطب الشرعى.

نعم، بدأ الأمر بأننا مسئولون عن تأمين تظاهراتنا، ثم تطور لنصبح مسئولين عن تأمين المنشآت العامة، وها نحن اليوم مسئولون عن تأمين موظفى الدولة إن أردنا أن تتصرف الدولة وكأنها دولة. لم نشغل نفسنا بسؤال «وما دور الشرطة والجيش»، فالإجابة واضحة على أجساد الشهداء.

قلنا للأهالى التشريح سيطول، دعونا ننقل الجثامين لمشرحة زينهم حيث الإمكانيات أفضل. عاد الخوف إلى عيونهم؛ صحيح نقل مينا لهم عدوى الإيمان بمصر، لكن ماكينة الإشاعات لم تتوقف عن العمل وعصابات الشرفاء لم تتوقف عن ترويع الجمع طوال الليل. لم يقولوها صراحة إكراما لنا لكننا فهمنا: لن نترك الحى القبطى، فنحن لا ندرى أى شر ينتظرنا خارجه.

كان علينا إذن أن نؤمن المستشفى، ونضمن للجنة ظروفا مناسبة للعمل. كان علينا أن نخلى المبنى من آلاف خائفة، ونضبط سلوك آلاف غاضبة. وما نحن إلا قلة دخيلة. كان علينا، ويا للمفارقة، أن نقوم بدور يشبه دور الأمن المركزى. جبهة جديدة ولا نملك إلا وحدة صفنا.

بدأت اللجنة عملها تحت حمايتنا، وتحت إشراف محامينا وأطبائنا، جنودنا المجهولين الذين خبروا كل مظاهر الظلم فأصبحوا أعلم بشواهد القتل والتعذيب وقرائن الجرائم والمذابح من خبراء الطب الشرعى. باشرت اللجنة عملها وكلنا قلق أن يدخل أحد الأهالى ويرى المشرط فى جسد ابنه فيهيج، أو أن تنهار صفوفنا أمام هجوم الشرفاء أو غضب المنكوبين.


مملكتى ليست من هذا العالم

تقلق وحدة صفنا كل المستفيدين، وأخطرهم تجار القضية، حلوا علينا بسمهم المعسول: أتثق فى تلك المحامية؟ دى شابة ومش عارفة حاجة.. أنا عندى خبرة طويلة، ومين دول؟ دول كلهم مسلمين، تأمن لهم إزاى؟ لقد حذرتنا من شهور يا مينا عندما قلت لنا: ضرورى ينضم ماسبيرو للتحرير، ضرورى مطالب الأقباط تبقى مطالب الشعب ومطالب الشعب تبقى مطالب الأقباط. والاختبار صعب يا مينا، فالسلطة غشيمة تضرب بعشوائية، أما هؤلاء فيعرفون موضع الجرح بدقة. قضينا باقى اليوم نحارب شائعاتهم الكاذبة واتهاماتهم الباطلة. نعيد كسب ثقة الجمع ونعيد له هدوءه.

قمنا بدور تصورنا فى البداية أنه شبيه بدور الأمن المركزى، لكن شتان، لن أفهم أبدا بعد اليوم كيف يتصور أى جهاز أمنى فى أى مكان فى العالم أن العنف وسيلة فعالة فى ضبط سلوك جماهير غاضبة أو خائفة، من الذى أشار على كل حكومات الأرض أن النزول بسلاح فى مواجهة جماهير سيهدئهم؟ لم نملك سلاحا أمام موجات الغضب إلا الأحضان، رمينا أجسادنا أمام الجموع وبالحضن وبدموع تبكى الشهداء استطعنا أن نبدد ضلالات واقع طائفى عسكرى وننشر حقيقة حلم مصر الحرة.

يا مينا، مصر الميدان هشة ممكن رصاصة واحدة طائشة تطيح بها.. يا مينا، مصر الميدان قوية ممكن حضن واحد ينقذها.. يا مينا، فى حضرتك فهمت تعاليم الأنبياء، متى يفهم العسكر؟

عندما بدأت لجنة الطب الشرعى عملها تذمر الخبراء من نقص الإمكانيات، من سوء الظروف، من فرض رقباء عليهم، ولكن فى النهاية فرض عليها أن تقوم بعملها. عندما قاربت اللجنة على الانتهاء من التشريح وبدأت فى كتابة أسباب الوفاة فجر أحدهم إشاعة أن التقارير كاذبة، ولأن أسباب الوفاة قد تذكر جرحا واحدا فقط هو القاتل حتى لو كان بالجسد عشرات الجروح صدق أهالى الشهداء وهاج الجمع وانهارت صفوفنا.

ونحن على شفا الانتصار واجهنا أصعب محنة، الأهالى آمنت بحلم العدالة، وتركتنا نعبث بأجساد أبنائها، وفاتها كرامة أن يصلى عليهم سيدنا بل وقد يتأخر الدفن لليلة أخرى، ضحوا بكل ما طلبنا منهم أن يضحوا به رغم ترددهم فى البداية، والآن يريدون ضمانا، يريدون أن يحسوا بتلك العدالة، ونحن نقدم لهم كلاما تقنيا وكعابيل قانونية غير مفهومة. لماذا يقول التقرير دهس بمركبة ثقيلة؟ الحق بيّن وكلنا نعلم أنها مدرعة، لماذا لا يقول مدرعة؟ ما هذا المقذوف النارى؟ لماذا لم تكتبوا «رصاص ميرى؟»، ألم تعدونى بعدالة؟ أين اسم الجانى وكلنا نعرفه؟

لم أعِ متى انتصرنا، فقد كنا غارقين فى تفاصيل التفاصيل، لكن فى لحظة نظرت حولى فوجدت وحدة صفنا صارت تشمل العاملين فى المستشفى والأطباء والقساوسة. ماذا فعلت يا مينا؟ هل أيقظ ضعف ورقة حال أهلك ضميرهم أم أيقظت قوتك خيالهم؟ هل تخطينا كل تلك الحواجز فى ساعات فعلا؟ بل انضم لنا أطباء الطب الشرعى أيضا، كان الحل الوحيد هو أن نجلس مع كل أسرة على حدة، نشرح معنى أسباب الوفاة، والتفاصيل التى ستضاف لتقرير الطب الشرعى، ودور النيابة، ودور المحامين، وانتقلت العدوى للطبيب الشرعى وتحول من مجرد موظف إلى مشرف على العدالة، ربما عندما اضطر أن يترجم لغة تقارير اعتاد ألا يقرأها إلا الأقوياء إلى لغة الضعفاء تذكر أن الحق دائما مع الضعفاء؟ رأيتهم يصفون ملامح الشهداء للأهل ليطمئنوهم أنهم ليسوا مجرد جثث، ليثبتوا أنهم يعرفونهم ويهمهم ذكراهم. رأيت ما استشهدت أنت من أجله يتحقق ولو للحظة.

فى طريقنا للكنيسة كان انتصارنا كاملا، لم يعد أحد يسأل عن اسم من شارك فى حمل الشهداء، ومن قاد الهتاف، هل كان مسلما من اقترح أن نهتف «يا نجيب حقهم يا نموت زيهم»؟ يا له من سؤال سخيف. الدم واحد والدمع أيضا واحد.


فأدر له الخد الأيسر

قبل المستشفى القبطى كنا فى مستشفى آخر بعيدا عن الأحداث، ننتظر صورة أشعة على قدم أحمد المصاب برصاص حى.

وجدنا أحمد فى شارع طلعت حرب، كان يحاول مع رفاقه إنقاذ الوطن بالعودة لميدان التحرير. لم يكن قد مر على سقوط الشهداء إلا ساعات معدودة، لم يفكر الشباب فى موازين القوة، هل عددهم يكفى أم لا، ما العمل والقوات غير المسلحة (وفقا للمؤتمر الصحفى العالمى) تطلق الرصاص بسخاء. فكروا فقط فى هول ما سيحدث إن تُرك الميدان لمظاهرة المرتزقة التى انطلقت بمباركة الجيش والشرطة تهتف «إسلامية إسلامية». كنا جميعا نعلم أنها مظاهرة مفتعلة، محاولة لصبغ مذبحة عسكرية بصبغة أهلية وإلصاق التهمة بالسلفيين.

بدا لنا أحمد كبطل أسطورى وهو يقاوم زملاءه رافضا الذهاب إلى مستشفى متعللا بأن الجرح خفيف وأكيد الطلق مجرد خرطوش. أقنعناه أن نذهب لمستشفى خاص بعيد عن الأحداث وحملناه على أكتافنا. فى التاكسى حكى لنا أنه اعتقل وذاق تعذيب الجيش الذى لا يخطئ وجرب «نزاهة» قضائه العسكرى، حكى لنا عن إصابته فى موقعة الغدر بالعباسية. لم تمنعه الإصابات من النزول مجددا فى مواجهة الرصاص.

فى المستشفى بعد أن اكتشفنا أنه مصاب برصاص حى لا خرطوش حل علينا ضابط مباحث لاستجوابه، أبهرتنا صلابة أحمد وهو يرد على الضابط بكل برود وتحد، وأبهرنا أكثر اشمئزازه من تعليق ضابط المباحث «مسلم يعنى» عندما سأل عن اسمه. هل كان سيمنعه من العودة إلى بيته لو كان مسيحيا مثلا؟

لم يتبين لنا أن أحمد ضعيف مثلنا إلا من بكائه فى حضننا عندما طهر الطبيب جرحه، ولم ننتبه إلى أنه فتى فى سن الثانوى إلا وهو يرد بخوف على والدته فى المحمول: «ماسبيرو إيه بس يا ماما، لا أنا خارج مع أصحابى».

هل يعرف اللواء حمدى بدين أن بين صفوفنا من يخاف والدته الحنون أكثر مما يخاف الرصاص والمدرعات؟ هل سمع المشير هتافنا «يا مشير يا مشير من التحرير هنزف عريس» ونحن نصحب مينا فى زيارته الأخيرة للميدان؟ هل يفهم أى من العسكر معنى زيارة أم خالد سعيد لأم مينا دانيال؟ أم أنهم نسوا الدم والدمع والحضن والحلم ولم يعد لهم مكان فى صفوفنا حتى بعد أن اتسعت لتشمل من خذلونا من قبل؟

Saturday, October 15, 2011

لا تلم إلا المجلس العسكري على مشاكل مصر




لا تلم إلا المجلس العسكري على مشاكل مصر




جوشوا ستاتشر، الثلاثاء 11 أكتوبر، 2011

مساء الأحد، تعرضت مظاهرة سلمية لهجوم من أفراد من الشرطة المصرية بملابس مدنية ومن الجيش المصري. بينما مات العشرات وجُرح المئات أذاع التليفزيون المصري أخبارا تحريضية عن أقباط تهاجم الجنود. انتهى كثيرون إلى إلقاء اللوم على الطائفية وليس القيادة العسكرية التي أشرفت على حمّام الدم. الحقيقة أن قدرة المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر على تجنب المساءلة عن أفعاله هو جوهر كل المشاكل في مصر اليوم.
لا زالت خرافة الفترة الانتقالية في مصر راسخة، وتُلقى مسئولية هذا الركود في المرحلة الانتقالية للبلاد على الحركات الاحتجاجية المنقسمة، وعمال القطاع العام الساخطين، وعمال المصانع، والفلاحين في الريف. وعندما لا تكون هذه القصة كافية، فهناك الأحزاب السياسية القديمة ولكن غير الفعالة، والأحزاب الإسلامية المختلفة الطامعة في المنافسة الانتخابية، ومجلس الوزراء الضعيف، حيث يتم جمع كل هؤلاء من أدوارهم الداعمة لتُلقى المسئولية عليهم. سواء هذا أو ذاك، يتم وضع مسئولية هذه المرحلة الانتقالية المتداعية في مصر، وبالكامل، على أعتاب المدنيين الذين صنعوا الثورة. حتى التركيز على الانتخابات البرلمانية، والمواقف السياسية للمرشحين الرئاسيين الحاليين، أو دستور سوف تتم كتابته، لا يتم وضعه في مكانه الصحيح ... على الذين يملكون السلطة بالفعل.


يبدو أن الآراء تجتمع على أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يتكون من رجال شرفاء حدث أنهم يحكمون بالصدفة، وهم يستجيبون للأحداث على نحو غير بارع، ولا يطمعون في السلطة. وتُلقى مسئولية الفشل المتكرر على عدم الكفاءة وليس تعمّد الأذى. في هذه الرواية، يريد المجلس الأعلى للقوات المسلحة الإشراف على الانتقال للديمقراطية ولكنه يرتكب الأخطاء على نحو متكرر بينما هو يحاول التعامل مع المطالب المتعارضة للشعب قليل الصبر ومع سلسلة لا تنتهي من الأزمات.
لا يقتصر هذا الموقف على الغرب – تظهر استفتاءات الرأي العام في مصر نسبة 90% من الناس تدعم الجيش على نحو ثابت، مما يشير إلى أن استراتيجيتهم تعمل، على الأقل، بدرجة ما.
لا ينبغي أن يتقاسم أي أحد مسئولية هذه الحالة المؤسفة للمرحلة الانتقالية للدولة المصرية. المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو المسئول وبدرجة لا تُقارن بأحد، وعليه اللوم بدرجة لا تُقارن بأحد بخصوص الطريقة التي تم بها بناء الفترة الانتقالية. سواء بوضع قوانين جديدة ضد المتظاهرين، أو نشر المحاكمات العسكرية ضد النشطاء والمعارضين على نحو استراتيجي، أو الاستمرار في تطبيق قانون الطوارئ، أو ابتداع قوانين انتخابية تشجّع على عدم التماسك الاجتماعي، أو تنظيم مصادمات ذات صبغة طائفية، أو إرهاب الصحافة ورقابتها، تمثّل مصر تحت حكم المجلس العسكري محاولة لاستمرار ممارسات فترة حكم مبارك بالرغم من التغييرات الاجتماعية التي أطلقتها التعبئة الشعبية للثورة. ليس من قبيل الصدفة أن الكثير من النشطاء الذين شاركوا في ثورة 25 يناير يعارضون الآن وبشدة المجلس العسكري.


لا تدع أفعال المجلس الأعلى للقوات المسلحة على مدار السبعة أشهر الأخيرة مجالا للشك بخصوص استحقاق المجلس للوم. إنهم نخبة نظام لم يتغير إلا جزئيا، يحاولون إعادة بناء النظام بالصورة التي يرونها. بينما يضعف موقفه بسبب مباغتة التعبئة الشعبية غير المتوقعة، لا يزال المجلس العسكري عازما على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية بدرجة كبيرة بنفس الطريقة التي كانت تعمل بها السلطة أثناء فترة حكم مبارك. الاختلاف الوحيد أن الآن المجلس العسكري "هو" السلطة التنفيذية.


مفتاح فهم أفعال المجلس هو ألا تراه على هذه الدرجة من عدم الكفاءة. هناك دافع استراتيجي خفي، ولكنه ذو هدف واضح، وراء زيادة المجلس لسلطته لأقصى حد ممكن وتشكيله لنظام يمكنه السيطرة عليه. لا تعمل النتيجة دائما وفقا للخطة، ولكن الجنرالات استخدموا كل فرصة واتتهم لزيادة سلطتهم القانونية لأقصى حد ممكن بطرق لا تؤدي إلى بناء بيئة سياسية تشمل الجميع: كتابة دورهم في الدستور فوق دستوري في مارس، واللجوء للمحاكم العسكرية ضد المتظاهرين المدنيين، ومد قانون الطوارئ، والتغاضي عن وعدهم بترك السلطة في خلال ستة أشهر، والسعي للحفاظ على إعفاء ميزانيتهم من الرقابة البرلمانية، وغيره. سجل الأعمال واضح.
استغل المجلس العسكري الامتيازات العديدة لتولية شئون البلاد لمحاولة إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتعزيزها. يحاول المجلس الأعلى عن طريق إقرار استخدام القمع والتلاعب بالنظام القانوني أن يكون له سلطة "الفيتو" على المرحلة الانتقالية ليضمن أنه لن يحدث تغيير جوهري في النظام في مصر. ولأنه يعمل من وراء مجموعة من المؤسسات تعمل كنقاط تفتيش، فالقنوات الرسمية التي يمكنها أن تُلقي بالمسئولية على المجلس العسكري بسبب أفعاله مغلقة تماما. حتى وعدهم بإجراء الانتخابات ونقل السلطة إلى الحكم المدني كان الهدف منه خفض أي تهديد لسلطتهم لأقصى حد ممكن. يضمن القانون الانتخابي محل الجدل، الذي تم الإعلان عنه من جانب واحد في أواخر سبتمبر الماضي ثم تمت مراجعته تحت الضغط الشعبي، أن يكون للإسلاميين وأعضاء الحزب الوطني الديمقراطي السابق موضع الصدارة، بينما يمد البرنامج الزمني للانتخابات الرئاسية لتكون في 2013.


يجادل البعض بأنه يمكن الوصول لصفقة مقبولة تسمح برئيس مدني ولكن بينما يحتفظ العسكر بمزاياهم، التي تشمل عدم وجود رقابة مدنية على ميزانيتهم أو أي مسائلات لممتلكاتهم الاقتصادية. ولكن، هناك اختلاف قليل بين امتلاك السلطة والاحتفاظ بالامتيازات. ترتيب مثل هذا لن يمكن تمييزه عما كان عليه وضع الجنرالات في مصر مبارك – هذا إن لم يعط الجنرالات مكانة أقوى من هذه التي تمتعوا بها تحت قيادة مبارك.
يبدو أن المجلس الأعلى وحلفاءه الأقوياء في الغرب يرتاحون - أو ربما يتذكرون في حب صورة - لمصر ذات سلطة تنفيذية مسيطرة. وبالفعل، يبدأ بعض من لغة وأفعال مسئولي الولايات المتحدة في العودة للشكل القديم. في يونيو 2009، قال الرئيس أوباما أن مبارك كان "قوة للاستقرار والخير" في المنطقة. قامت وزيرة الخارجية بتعديل الجملة قبل التصريح بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة "قوة للاستقرار والاستمرار" في مصر، يوم 28 سبتمبر. في هذه الأثناء، نجح وزير الدفاع في سرقة لحظة "عفوية" لعب فيها البولنج مع الجنرال طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أثناء زيارته للقاهرة في الرابع من أكتوبر.


هذا الموقف الذي توجد فيه محاولات من المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإعادة تصميم سلطة تنفيذية مهيمنة وإعادة قائمة مبارك من السيطرة إلى سابق عهدها لن يتركه أصحاب الثورة بلا مسائلة. سيتطلب الأمر ويستلزم وجود تعبئة شعبية مستمرة إذا كان يجب الإنصات للأصوات الديمقراطية. استغلت الحركة الاحتجاجية ما يزيد عن عشر سنوات من التعلم لكي تقهر وتهزم ماديا جهازا كان قسري وقادرا إلى حد بعيد، في يناير وفبراير الماضيين. لن تجلس هذه الحركة مكتوفة الأيدي بينما تشاهد العسكر يواصلون بهدوء بسط سيطرتهم التي فوق المسائلة على الدولة. محاولة المجلس العسكري لفرض الاستقرار والسيطرة على مصر ما بعد الثورة هي، ووحدها، ما يجر البلد إلى هذا الدرك من الأزمات.

جوشوا ستاتشر أستاذ مساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة كِنت ستيت. سيصدر كتابه " Adaptable Autocrats: Regime Power in Egypt and Syria" من جامعة ستانفورد في ربيع 2012.

هذه ترجمتي للمقال الذي نشر بمجلة فورين بوليسي الثلاثاء الماضي

Sunday, July 03, 2011

ثلاثاء وجمعة الغضب 2011

يوم الثلاثاء 25 يناير 2011

جاءت الدعوة على موقع فيسبوك، عبارة عن إيفنت أنشأه جروب "كلنا خالد سعيد"، يدعو للتظاهر في هذا اليوم، عيد الشرطة، ليكون أفضل تحية لهم، والمطالبة بثلاثة مطالب: (1) إقالة وزير الداخلية الحبيب العادلي ومحاكمته على جرائم رجال شرطته، التي منها ممارسات العنف والوحشية كضرب خالد سعيد بالإسكندرية حتى الموت و(2) تنفيذ الحكومة لحكم المحكمة الإدارية بتثبيت 1200 جنيه مصري كحد أدني للأجور، و(3) إلغاء قانون الطوارئ.

(أصل يوم عيد الشرطة كان عام 1952 في مدينة الإسماعيلية، فقد استدعى القائد البريطاني بمنطقة القناة –"البريجادير أكسهام"- صباح يوم الجمعة 25 يناير 1952، ضابط الاتصال المصري وسلمه إنذارًا بأن تسلم قوات البوليس "الشرطة" المصرية بالإسماعيلية أسلحتها للقوات البريطانية، وتجلو عن دار المحافظة والثكنات، وترحل عن منطقة القناة كلها، بدعوى أنها مركز اختفاء الفدائيين المصريين المكافحين ضد قواته فى منطقة القنال. ورفضت المحافظة الإنذار البريطاني وأبلغته إلى وزير الداخلية " فؤاد سراح الدين باشا " الذي أقر موقفها، وطلب منها الصمود والمقاومة وعدم الاستسلام. وعندما رفض ضباط وجنود شرطة الإسماعيلية هذا الإنذار قامت القوات الإنجليزية من دبابات وعربات مصفحة بمحاصرة قسم بوليس الإسماعيلية ووجهت دباباتهم مدافعهم وأطلق البريطانيون نيران قنابلهم بدون توقف ولمدة زادت عن الساعة الكاملة. ولم تكن قوات الشرطة مسلحة بشيء سوى البنادق العادية القديمة. دارت معركة غير متساوية القوة بين القوات البريطانية وقوات الشرطة المحاصرة فى القسم ولم تتوقف هذه المجزرة حتى نفدت آخر طلقة معهم بعد ساعتين طويلتين من القتال، سقط منهم خلالهما 50 شهيدًا و 80 جريحا. كان هذا في الماضي. )

لم يتوقع أحد أن ينجح هذا اليوم. الإحباط عام، الشيء الوحيد الذي لا توجد مشكلة في توافره، مجانا. كانت الدعوة أن تبدأ تظاهرات في أماكن عديدة في كل محافظة، وفي مختلف المحافظات.

ترددتُ في الذهاب، متوقعا أن أجدها مظاهرة من مظاهرات المائة، التي لا تجني إلا مكسبا رمزيا – مثل وصف التمثيل المشرّف في كرة القدم – وتنفيس المشاركين بها عن ألمهم أو غيظهم بالهتاف.

كان الموعد الساعة الثانية.

قرأت على الإنترنت خبرا عن مظاهرة في مصر القديمة بها سبعة آلاف متظاهر بدأت مبكرا، من الساعة الثانية عشر ظهرا.

خرجت متوجها إلى دوران شبرا، أقرب أماكن التظاهر التي قرأتها على الجروب لي. ركبت أحد الميكروباصات التي تمر من شارع خلوصي، كعادتي التأمينية في الذهاب راكبا لا مترجلا وإلقاء نظرة من بعيد أولا. كنتُ وحدي، رغم تشديد الدعوة على نصيحة عدم الذهاب وحيدا. والمنطق قوي بالفعل: تحتاج وجود آخر أو آخرين معك يعلمون بوجودك في المظاهرة حتى لو تم القبض عليك يتم إرسال معلومة القبض عليك بدلا من أن يكون القبض "مجهولا"، وهو ما لن يكون أبدا في صالحك. كذلك يمكن لوجود آخرين معك تخليصك من أيدي جندي أو جنديين في حالة القبض عليك أو أي اشتباك.

الطريق هادئ وغير مزدحم في هذا الوقت. لمحت عند الدوران كردونا صغيرا (مائة مثلا) بداخله متظاهرين، ولاحظت وجود تجمعين آخرين لمتظاهرين، وسط حضور كثيف لجنود الأمن المركزي. نزلت في شارع شبرا بقرب الممر "ممر الراعي الصالح". لاحظت وجود قرابة سبعة سيارات أمن مركزي تتراص على الجانب الأيمن من الطريق. سرت حتى الدوران وأكملت حتى محطة مترو روض الفرج.

ثلاث تظاهرات متفرقة. أحدها بعيدا قليلا وبعد مخرج التهوية الذي يشبه المصطبة لمحطة المترو، يقف فوق هذا المصطبة قرابة عشرة أشخاص يصورون بموبايلات أو كاميرات، ويحيط بالمصطبة الأمن المركزي من كل اتجاه. هذه التظاهرة كانت ترفع لافتة لشباب 6 إبريل، في وسط كردون للأمن المركزي. وأخري عبر الشارع أمام موقف روض الفرج مباشرة، يحيط بها الأمن كذلك. وأخرى أصغر، أقربهم لدوران خلوصي، تترك لهم العساكر مساحة فراغ أكبر للحركة.

راقبت الشارع لفترة مستمعا للشعارات "يسقط يسقط حسني مبارك" و"أمن الدولة يا أمن الدولة فين الأمن وفين الدولة" وغيرها. كل مظاهرات الأقباط التي ملأت شبرا الأيام الماضية بعد التفجير الذي حدث بكنيسة القديسين بالإسكندرية، ونتج عنه وفاة 21 شخصا وإصابة 97، كانت أكبر من هذا! كان هذا يكفي لإثارة الإحباط لدرجة تجعلني أعود من حيث جئتُ.

شخصان بجواري يتحدثان:

- فين الشعارات اللي اتفقنا عليها؟ ما فيش فايدة، عمرنا ما هنعرف نتعلم ننظم نفسنا

فجأة هاجم الأمن المركزي المجموعة التي أمام الموقف بالعصي، وهتاف "الصحافة فين الإرهاب أهو؟!" وسيدة تصرخ على الرصيف أمام الحشد وهي تسجل مع فتاة حوارا بالموبايل. تفرّق التجمع بعد هذا الضرب. تحركات للأمن المركزي. لاحظت أن الضباط يحركونهم وفقا لتحرك التظاهر، الهدف هو حصارهم وإبعادهم عن الشارع. دائما يتظاهرون وسط العساكر، فيراهم الناس فقط من بعيد. تغريب. سيارات الأتوبيس لا تقف، والحركة تسير في الشارع، لابد أنه مقصود لتفريق المتظاهرين. فجأة بينما تتحرك العساكر وفقا لتعليمات الضابط يخطئون في التشكيل، ويجد متظاهرو أول خلوصي والمتظاهرين في المجموعة التي تم ضربهم شارع شبرا مفتوحا، جرى الجميع بينما خط الأمن المركزي المكون من عساكر يمسكون بأيدي بعضهم البعض يحاول سد "الثغرة". لكنه كان متأخرا جدا.

جريت معهم وانطلقنا في شارع شبرا نحو أول شبرا.

هل انضمت لنا المجموعة الثالثة أيضا؟ لا أعلم. الضباط يحاولون إعادة تنظيم الجنود. ننظر خلفنا بينما نجري لنراهم تراصوا في صفوف تسد الشارع، ويجرون وراءنا. ما الهدف؟ هل أن يضربونا أم يمسكوا بنا؟

البعض يجري على الرصيف. هذا السياج الذي يحيط بالرصيف فيمنع من هم في الشارع أن يصعدوا على الرصيف أحيانا ما يكون مفيدا. نتوقف لنلتقط الأنفاس، نراهم يجرون نحونا، ننطلق من جديد. أمسكوا بالبعض. الشباب يسعفون أحد المصابين في وجهه.

لحق الجنود بي بينما أنا على الرصيف في محاولتهم لسد الطريق مرة أخرى. تركني الجنديين بعد أن توقفت عن الجري وكأني أحد المارة الأبرياء وطلبت منهما العبور.

- عدي يلا بسرعة

أواصل الجري. البعض أمسكوا بهم، والغالبية أمكنهم الفرار. نصل إلي شارع مستشفى شبرا العام المشهور ب "كوتشلن" وننحرف. نراهم أول الشارع. يبدو أنهم توقفوا. ننطلق في الشارع مع بعض الطمأنينة.

ينطلق أدرينالين الحرية في العروق. ينادي المتظاهرون على الناس في الشارع وفي البلكونات للانضمام "انزل... انزل"، و"يا أهالينا ضموا علينا".

ملحوظة: اللياقة البدنية لجنود الأمن المركزي، أدوات النظام القمعية، لا تزيد كثيرا عن لياقة المتظاهرين. بل أحيانا ما تقل عنهم.

عدد لا بأس به. مائتين؟ نصل إلى تقاطع هذا الشارع مع شارع الترعة، لنجد مظاهرة كبيرة تقابلنا، تأتي منه من آخره لتسير نحو أوله. فرحة كبيرة وتهاليل لرؤية زملائنا "في التظاهر". لماذا هذه الدموع إذن؟

نسير في الشارع وسط هتافات ضد الرئيس والهتاف الأهم: "انزل ... انزل". أظننا قرابة ثلاثة آلاف. نمشي عكس اتجاه السيارات. لا نسد الشارع وهناك طريق للسيارات، هي فقط تتعطل أو تسير ببطء. متظاهرون يحاولون دعوة الناس في الشارع للمشاركة. نصل إلى شارع أحمد بدوي، هل سنسير للأمام حتى أول الترعة أم ننحرف يمينا لشارع شبرا مرة أخرى؟ متظاهر يتحرش لفظيا بضابطي مرور عند نقطة تقاطع أحمد بدوي، آخرون يمنعونه ويجذبونه وهتاف "سلمية .. سلمية". ننحرف يمينا لشارع شبرا. قرار صحيح لأنه أوسع في أوله من الترعة. نري الأمن المركزي يغلق أمامنا أول شارع شبرا. يتوقف أول المتظاهرون حتى ينضم لنا المتأخرون في الوراء. لنضم الناس لبعض أكثر، ويمسك أوائل الصفوف بأيدي بعضهم البعض ويرفعونها لأعلى.

"سلمية ... سلمية". ماذا سيحدث؟

تسير المظاهرة حتى نصل إلى صف جنود الأمن المركزي. لم يطلقوا علينا شيئا. ندفعهم، نكسر الكردون، نتجاوزهم نحو نفق شبرا. "هييييه" تختلط ب "الله أكبر".

هل هم الذين تركونا أم أن عددهم لم يكن يكفي لصدنا؟ أظننا الآن 4 آلاف. حسنا، لن أقول أن الضباط ربما جعلوا العساكر يتراصوا في صفين وراء بعضهم فقط – وليس أربعة صفوف أو خمسة مثلا – عن عمد حتى يجعلونا نعبر.

يدعو المتظاهرون الناس في الشارع للانضمام – هذا هو قلب التظاهر في الشارع، الوصول للناس واحتلال الفضاء العام. يجري البعض نحو اليسار حيث بعض الحشائش الخضراء يحيط بها سياج. ماذا هناك؟ يشيرون علامة "لا" بأصابعهم. "سلمية ... سلمية".

فهمت. كان البعض يحاول إسقاط صورة كبيرة للرئيس مبارك وضعها أحد "محبيه" وشعار "من أجل مصر، ضعوا يدكم في يده". تجاوزناها ولم نسقطها. نعبر شارع الجلاء. هل سنسير في شارع عرابي لندخل وسط البلد؟ لا، المسيرة في شارع رمسيس. سيارات وأوتوبيسات كثيرة تفرّقنا، ولكنا نواصل حتى آخر رمسيس ويساره نحو ميدان التحرير.

أخبار جديدة: الآلاف في ميدان التحرير. نعدو في لهفة، لنرى المشهد الرائع، بالفعل لا ترى الشارع من كثرة الناس، الكل نحو التحرير والهتافات ضد الرئيس. علمت أنه في شبرا تم القبض على أربعين متظاهر من الذين كانوا في الدوران. الحظ. ليس دائما اللياقة البدنية.

من أين جاءت هذه الآلاف؟ أظننا مائة ألف على الأقل. أخير لمحت أصدقاء أعرفهم. افتقدت رفقاء مظاهرات 2006 و2007 وقت هوجة شعارات "يا قضاة أنقذونا من الطغاة" قبل أن تضربها الداخلية في قسوة، ونجاتي من الاعتقال أثناءها بالصدفة، أنا وشادي لويس.

ألمح شاب وفتاة أعلم أنهما حبيبين يمسكا بأيدي بعضهما البعض في قلب المظاهرة. لا شك أن هذا الإحساس هو ما يسمى "الوحدة". لا يفرق كثيرا أنني وسط تلك الآلاف.

نملأ الميدان، والهتافات لا تنتهي. الهتاف الجديد "الشعب .. يريد .. إسقاط النظام". الكل يردده معا. يا لجلال الصوت وصداه! الناس في كل مكان بالميدان، وحول وفوق الحديقة الصغيرة الدائرية "الكعكة الحجرية" وأمام الجامعة الأمريكية، والأمن يقف بادي الشراسة في آخر شارع القصر العيني – تقاطع شارع الشيخ ريحان. الشباب يريدون الوصول لمجلس الشورى إذن. جنود آخرون يسدون شارع محمد محمود.

جنود الأمن المركزي يقذفوننا بالحجارة. الناس تجري في هلع. عشرات الحجارة، وكلها ضخم بما يكفي لإحداث إصابات بالغة. البعض يسقط في التدافع.. كنت أمام هاردييز، أحاول عبور السور الحديدي في سرعة لأصير على الرصيف. أسقط أرضا. يجذبني أحد الشباب لأقف ثانية.

- ما تجريش

شكرته. كدمه بسيطة. أين أيام الرشاقة؟ صدمتني حقيقة أننا لم أمارس تمرينات اللياقة البدنية خاصتي من عشرة سنوات مثلا. رأيت أربعة إصابات من هذه الحجارة بعيني، خلاف ما لم أره. كلها في الوجه والرأس. أحد المصابين كان قميصه غارقا في الدماء. خلعه ووضعه على السور الحديدي. رأيت البعض يصوّره فيما بعد. بدأ البعض بالرد بقذف الحجارة. "سلمية ... سلمية" منعهم الناس. طلب بالتقدم نحو الأمن.

- ما حدش يرجع يا أخوانا، ما تخافوش

سيارة مطافئ تضرب المتظاهرين الأقرب بالمياه. بالطبع، ليست مياه طبيعية، بل بها مادة كاوية تصيب الجلد بالتقيح.

ثم إطلاق قنابل الغاز المسيلة للدموع. الكل يعدو مبتعدا عنها. أعدو رغم أنها بعيدة عني لأن حشود الناس تعدو نحوي ولا بد أن أفسح لها مجالا. أصعد على الكعكة الحجرية وهم ورائي، أستعمل منديلا أضعه على أنفي. فجأة الغاز يملأ كل المكان حولي.

هل سيفيد هذا المنديل المعطّر؟ عيني، اللعنة!

ألم لا يطاق في العين، ودموع غزيرة. سعال وسعال لا ينتهي، تكاد تختنق من الغاز. من قال أن هذا المنديل الساذج سيفيد بأي شيء؟ استمر في الابتعاد بسرعة خائبة بسبب نقص الأكسجين.

- خلاص كفاية كده ما تجروش

هذا المتكلم بالتأكيد لم يصبه هذا الغاز وإلا ما تكلم بهذا الهدوء. انظر من بين الدموع لأري أن معه حق. ابتعد الدخان.

العجز. الظلم.

- عايزين يموتونا

معها حق.

أذهب لأغسل أنفي من نافورة أو حنفية المياه المفتوحة دائما في هذه الحديقة.

- ما حدش يحط ميه على عينه

- ما حدش يدعك عينه يا جماعة

شاهدت الممثل عمرو واكد ودموع الغاز في عينيه، بالجوار مع شخصين أو ثلاثة.

أجلس على الأرض لأبكي في صمت. هذه الدموع ليست بسبب الدخان.

- معاك دقيقة لو سمحت؟

- آه اتفضل.

التضامن وسط المظاهرات مبهر. الكل يطلب أي شيء يريده منك حتى لو لا يعرفك. الكل يعطيك أي شيء يظن أنك تحتاجه، حتى إذا لم تكن تحتاجه. كان شابا صغيرا، ربما في الثامنة عشر.

- الشبكة واقعة

- يا ولاد الـ.... (لفظ، بالطبع، خارج)

- بس هي بتروح وتيجي. ده حد كان معاك؟

- آه، كان جنبي ومش لاقيه.

- دوّر عليه واستني 10 دقايق ونحاول تاني

- شكرا

صياح من جهة المجمّع. الناس تُسقط صورة للرئيس بالقرب من الميدان لتفريغ شحنة الغضب بعد علقة قنابل الغاز.

الناس تتجمع مرة أخرى والهتاف الأساسي "الشعب .. يريد .. تغيير النظام". أقف في الميدان لأري القنابل التي تطير في الهواء نحونا. يجب أن نتفاداها لهذا من المهم أن نراقب السماء ومصدر إطلاقها جيدا. أسوء شيء يمكن أن يحدث هو أن يتملكك الذعر. عندها تزيد من احتمالات سقوطك أو ارتطامك بالآخرين، أو حتى أن تصيبك قنبلة مقذوفة في ظهرك بينما لا تراها، غير أن الجري يزيد من احتياجك للأكسجين. ببساطة: عين يقظة وقدم هادئة. شاهدت شابا يركلها بعيدا عنه بعد أن سقطت عند قدميه. شاهدت كذلك آخر يمسك بصخرة من التي كانت تقذف علينا ويقذفها في قوة نحو جنود الأمن المركزي. أصابت أحدهم، ربما في مقتل. أغلقت عيني وأنا أشعر وكأنها أصابتني أنا.

صوت إطلاق نار. هل هو رصاص مطاطي أم حقيقي؟ الناس تتفرق. لن تنتهي هذه الليلة.

هل هذه شجاعة أم تهوّر؟ يتقدمون نحو شارع القصر العيني وأيديهم لأعلى؟ "سلمية .. سلمية"، قد يفهم الأغبياء.

"يا أبو دبورة ونسر وكاب إحنا أخواتكوا مش إرهاب". واستمر الضرب لبعض الوقت، قبل أن يتوقف، بدون مبرر.

الناس هنا وهناك ودماء من جروح الإصابات من القنابل أو الحجارة. علمت فيما بعد أن قنابل الغاز يجب أن تضرب لأعلى، فتسقط كقنبلة غاز فقط. أما إذا أطلقت بمستوى منخفض – ارتفاع القامة مثلا – فتكون مثل الرصاصة بسبب قوة دفعها. لهذا كانت هناك كسور وكدمات بين المتظاهرين من قذف قنابل الغاز.

- إذيك، عامل إيه؟

- الحمد لله

- هنا من بدري؟

- آه

- معاك كمامة؟

- لأ

- خد دي

لا أحب الكمامات. ماذا عن الأعين؟ هل تفيد؟ أخذتها منه ووضعتها بجيبي.

قررت العودة للبيت. كنت مرهقا للغاية، وطمأنني عدد الناس في الميدان. ربما لو كان معي أي صديق لاستطعت مواصلة هذه الليلة التي كنت أشعر أنها ستكون طويلة، طويلة للغاية. قررت إدخار طاقتي والموت أو الإصابة يوما آخر..



ييوم الغضب، الجمعة 28 يناير

بدأ التليفزيون المصري المعركة مبكرا بتناول موضوع الفيسبوك وكيف أن الشباب "قليلي الخبرة" و"سليمي النية" يتم استغلالهم وحشدهم باستخدام الفيسبوك للقيام بأعمال عنف وشغب، من قبل جهات أجنبية وغيره، مما يثير كما قالوا قضية الفيسبوك والرأي أنه من الأفضل حجبه لمنع كل هذا.

بعد ذلك تم حجب موقعي فيسبوك وتويتر لفترة رغم نفي الحكومة المصرية لهذا. وانتشرت على الإنترنت عشرات الطرق والوصفات لفتح المواقع المحجوبة خاصة الفيسبوك. رأيت أنها ضربة قوية للحركة لأن عشرات الآلاف على الفيسبوك الذين يعتمدون على الموقع كشبكة تواصل سيتم ضرب وسيلة اتصالهم.

يومي 26 و27 لم أنزل للشارع. علمت من أصدقاء ومن الإنترنت بالمعارك البطولية والشرسة التي دارت في هذين اليومين بين الشرطة وبين الناس في أغلب الأماكن الشعبية بالقاهرة.

سمعت عن ضرب المتظاهرين بالرصاص الحي وعن أول ثلاثة شهداء، بالسويس.

تكلم كثيرون عن استنزاف قوى الشرطة في هذين اليومين، وأنهم سيحاولون بكل ما تبقى لهم من قوة منع يوم الجمعة 28 بأي شكل، واستخدام آخر ما لديهم من قوة ومن عنف.

يوم الخميس ليلا، قطع الإنترنت كله عن مصر! لا بد أنهم وجدوا أن حجب الفيسبوك وتويتر لا يكفي وتقريبا كل الناس تدخل بمختلف طرق الالتفاف الإلكترونية على المواقع المحجوبة وكأنه لا يوجد أي حجب!

أرسلت رسائل من موبايلي لبعض الأصدقاء بهذا الخبر الصاعق، منع الإنترنت.

أصبح الأمر يثير القلق، يبدو أنهم سيستخدمون كل أسلحتهم فيما يبدو وكأنه المعركة الأخيرة. كان من الواضح أن الشرطة والأمن لم يناموا طيلة الثلاث أيام الماضية.

لا يوجد أنترنت، ولكني تذكرت أن الدعوة لجمعة الغضب أو جمعة الشهداء على إيفنت الفيسبوك كانت قد قالت كل الميادين وذكرت أماكن للتجمع منها مسجد الخازندارة في شارع شبرا بجوار مترو روض الفرج. كان هذا أقرب مكان لحيث أسكن، فقررت الصلاة هناك في هذا الجامع والخروج مع المظاهرة التي كان من الواضح أنها ستخرج منه.

يوم الجمعة صباحا، قبل الخروج، حاولت إرسال رسالة لإحدى صديقاتي لأنصحها بعدم الخروج اليوم لتوقع العنف الشديد – كنا قد اتفقنا ليلة أمس على الخروج معا في هذا اليوم. كانت المفاجأة أن الشبكة لا تعمل. الأوغاد قطعوا شبكات المحمول كذلك!

تركت موبايلي وذهبت خفيفا! أبلغت أمي بأنني سأذهب دون الموبايل فيجيب ألا تقلق وأنني سأتصل بهم من أي تليفون أرضي في أول فرصة لأطمئنهم. فكرت أنه ربما حتى أنهم قد قطعوا الأرضي، لكنني لم أحاول أن أجرّبه.

خرجت في موعد الصلاة وذهبت لمسجد الخازندارة. كالعادة، امتلأ المسجد بالمصلين وافترشوا الأرض بالخارج أمام المسجد. كان الأمن واضحا في شارع شبرا قبل المسجد وبعده، يسد الطريق على أي محاولة للتظاهر بعد الصلاة. بعد الصلاة مباشرة أذاعوا أن هناك صلاة على أحد الموتى بالمسجد. قال شخص بالجوار أنه يمكن الصلاة مع ارتداء الحذاء، لا مشكلة. فكّرت أنه ربما أن هذا الترتيب، الصلاة على الميت والصلاة في الأحذية، له علاقة بالدعوة للتظاهر اليوم.

انتهت الصلاة وجاءت اللحظة الحاسمة. لحظة بدأ التظاهر.

قبل أن يتحرك أحد المصلين من مكانه كان هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام". لا هتافات دينية كما قالوا. عظيم بالطبع.

وقبل تكرار الهتاف مرة أخرى أطلق الأمن قنبلة غاز مسيل للدموع على المصلين أمام المسجد. الناس تخرج من المسجد بالمئات، والهتاف لا يتوقف، وكذلك القنابل. أطلقوها على المسجد كذلك، مما اضطر الناس للدخول بالمسجد للاحتماء به.

الكل يبكي. ما ذنب هؤلاء الذين أتوا للصلاة ولم تكن نيتهم التظاهر؟ وكبار السن؟ أظن أن البكاء كان أحد أسبابه بالإضافة لتأثير الغاز أن يتعرض الناس للضرب في المسجد. وبالداخل، أمام الدخان الذي يمنع التنفس ويدمع العيون، كان الهتاف: "لا إله إلا الله!" لا شك في هذا. هذا هو الأقرب للناس وليس الهتافات غير الدينية. ربما عند وجود رفاهية العقل سيلتزمون بهذا، وقطعا ليس بينما هم يُضربون أو يبكون.

بعد قليل بدأ الخروج من الباب الخلفي للمسجد، متفرقين. كل الحواري الجانبية التي تطل على شارع شبرا توجد على رأسها سيارة أمن مركزي لعينة.

خرجت مع مجموعة صغيرة وبدأنا السير في الحواري الجانبية ونردد الهتافات.

- خلينا مع بعض يا اخوانا، ما حدش يمشي لواحده

- عايزين نخرج على الشارع

الناس تتفرج علينا باهتمام، والبعض يسير معنا. سرنا حتى خرجنا إلى شارع خلوصي. ثم سرنا في اتجاه شارع الترعة. هل نحن 500 مثلا؟ نظرت للخلف، لا وجود للأمن خلفنا. وصلنا لأول خلوصي وتقاطعه مع شارع الترعة لنجد مظاهرة حاشدة تتجه إلى أول الترعة. أفهم بالطبع سبب هذا البكاء، الممزوج بالفرحة. سرنا نهتف بينما عددنا يزداد. "انزل ... انزل". ننادي على الناس في الشرفات وفي الشارع.

أصبح عددنا بالآلاف حتى أننا سددنا الشارع ولم تعد أي سيارة به يمكنها السير. أتوبيس هيئة النقل العام الواقف إلي يسار الشارع يكاد يخلو من الركاب. السائق يبكي متأثرا بمرآنا وهتافنا.

أدرينالين الحرية. يا للجمال!

أخذنا المسار المعتاد، حتى أحمد بدوي ثم الرجوع لشارع شبرا حتى أوله في الطريق لنفق شبرا. هل سنجد دفاعا عنيفا في أول شبرا؟

توقف الذين كانوا في المقدمة في انتظار الباقين لنسير كتلة واحدة. من يدري ما الذي بانتظارنا؟

ولكن لم يعترضنا أحد حتى نفق شبرا. البكاء اللعين مرة أخرى. لماذا؟ سرنا حتى عبرنا النفق. ربما أن هذا كمينا. وصلت للافتة التي كانت عليها صورة الرئيس. هذه المرة ممزقة تماما، ما عدا كلمة "من أجل مصر". تذكرت حكاية "باسمك اللهم" في التراث الإسلامي، الجملة التي بقيت من صحيفة مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب التي كانت معلقة في الكعبة وأكلتها "الأرَضة" عدا هذه الجملة. يا لخبث الذاكرة!

سرنا حتى التقاطع تحت كوبري الجلاء حيث يجب أن نختار طريقنا بين مفترق الطرق. لاحت أمامنا صفوف الأمن المركزي تسد شارع رمسيس وكان من الواضح أننا مرغمين على السير في شارع الجلاء تحت الكوبري، لأنه الوحيد المفتوح أمامنا. أسوأ الطرق إلى التحرير؛ إنه الطريق حيث توجد مباني حكومية وأسوار يمينا ويسارا، وفوقك الكوبري وتحتك الأسفلت!

لاحظت وجود أولاد صغار السن، أظن عشرين ودون العشرين، يلتقطون الحجارة من الطريق. المفروض أن التظاهرة سلمية. فكرت أن هذا هو عيب المظاهرة التي بلا تنظيم، لا يمكنك أبدا السيطرة عليها. هل هؤلاء الأولاد مدفوعين من الأمن لتحويل الاختيار السلمي للعنف وبالتالي إعطائهم مبرر لضربنا؟

سرنا حتى الإسعاف. الأمن المركزي بجوار سيارة أمن، لا ندري هل سيهاجموننا أم لا. لم يدم سؤالنا طويلا. فجأة بدأ الأولاد في قذف الحجارة على الأمن. لمحت الناس يحاولون منعهم، ورد الأمن بقذفنا بقنابل الغاز.

شعرت بواحدة تطير بجواري رأسي وقد حولها الإطلاق الأفقي وقربنا من مصدر إطلاقها إلى ما يشبه الطلقة.

بعض الحظ لا أكثر جعلها لا تصيبني، ولكنه لم يمنع هذا الغاز الذي لم يعد يجعلنا نرى أو نتنفس شيء. تحسست طريقي لجانب الطريق لابتعد عن مرمي أي قنابل أخرى. جلست على نتوء بالجدار ودموعي تنهمر في غزارة مع ألم شديد في العين. في دقيقة جاءتني مساعدات تجرب كل الوصفات التي قرأنا بعضها على الإنترنت من الأخوة التوانسة! البصل، والبيبسي، والخل، و"لا تغسل عينيك بالماء".

ثم أفسح لنا الأمن الطريق لنواصل طريقنا لميدان عبد المنعم رياض. سرنا وسط نداءات للمتأخرين بالإسراع حتى لا يغلق عليهم الأمن الكردون مرة أخرى. لم نسر إلا بضع أمتار قبل أن نبدأ في البكاء من جديد. دخان من القنابل التي ألقيت ودخان إطارات وحرائق تملأ الطريق. لا عودة بالطبع. والشمس اللعينة تزيد الأمر سوءا.

تطلب الأمر دقائق عديدة قبل أن نجتمع من جديد. الهدف هو ميدان التحرير. والطريق الأفضل هو عبر موقف عبد المنعم رياض ثم ميدان عبد المنعم رياض نفسه. ولكن كانت قوات الأمن تتمركز في الميدان وتمنعنا من عبور موقف عبد المنعم رياض وتطلق القنابل علينا خاصة في المنطقة عند مدخل الموقف وأول كوبري أكتوبر وكوبري رمسيس. وبدأ السيناريو يتكرر: محاولة التقدم، إطلاق قنابل الغاز، تفرقنا وتراجعنا، رجعونا مرة أخرى، وهكذا.

كم مرة حدث ذلك؟ كم قنبلة ألقوها نحونا؟ تعبنا من العد.

انقطعت أنفاسي تقريبا من هذه الهجمة الشرسة من قنابل الغاز. أصبحت ابذل مجهودا مضنيا لأتنفس. لا هواء. وقفت وحدي خلف عمود بمدخل الموقف تنهمر الدموع بغزارة بينما أجلس على الأرض أجاهد لالتقاط أنفاسي.

- إنت كويس

أومأت برأسي، نعم.

- روح هناك خد نفسك وبعدين تعالي

أشار إلى حارة صغيرة إلى اليمين قبل موقف أتوبيسات السوبر جيت ورمسيس هيلتون.

فجأة جاءت سيارة مدرعة من محطة الإسعاف، لتدور في الملف الذي أمام موقف السوبر جيت وتعود ثانية للإسعاف. ما جعل الأمر غير عاديا هو أنه كان يقف عليها قناص يطلق الرصاص علي الجميع، الذين حاولوا مبادلة رصاصه بالحجارة. احتميت بالعمود بينما المدرعة تدور بالقرب مني.

تذكرت مشهد الأولاد الذين كانوا يلتقطون الحجارة. معهم كل الحق. هل هذا رصاص مطاطي أم حي؟ أولاد الكلب.

هاج الشباب وبدأوا في محاولة سد الطريق حتى لا تعود المدرعة مرة أخرى. لكن الطريق واسع جدا عند هذه النقطة. كانت هناك سيارة محترقة إلى جانب الطريق تعاونوا لجعلها بالعرض لتسد جزء من الطريق. ثم اقتحموا فناء بالجوار للمحافظة واحضروا عربات قمامة صغيرة، ولكنهم أدركوا أنها لا تفي بالغرض. انتهى الأمر بتكسير زجاج سيارة حكومية قريبة ودفعها مع قيادتها يدويا لسد ما تبقى من الطريق.

محاولة أخرى للتقدم في مدخل موقف عبد المنعم رياض وقنابل الغاز تطير حولنا في كل مكان. البعض يحاول التقاط القنابل وإلقاءها مرة أخرى نحو من أطلقها. واحدة ذهبت بعيدا وثانية أخطأت طريقها لتسقط على متظاهرين آخرين. تسقط القنبلة أحيانا فتلف حول نفسها في قوة، فتذهب لأي اتجاه عشوائي وينتشر غازها في كل مكان.

- ما حدش يطلع الكوبري

يقصدون كوبري أكتوبر. بالتأكيد. سيكون من عليه هدف سهل لأي قناص مبتدئ. ليس هذا فقط. رأينا فيما بعد بلطجية على الكوبري وأحدهم كان يحمل لوحا خشبيا بينما يسبّنا.

وبدأ الأمن يزيد من مدى قذف القنابل، فصارت تأتي من فوق الكوبري في المنطقة التي أمام موقف السوبر جيت ورمسيس هيلتون.

"لا إله إلا الله!"

ما حدث أنه جاءت قنبلة غاز مطلقة كالرصاصة لتصيب فتاة في رأسها. ماتت.

غطاها الشباب بالجرائد.

بين الدموع فكرت أنه ربما يجب أن نحملها على أكتافنا ونسير نحو هؤلاء القتلة هاتفين: "يا بو دبورة ونسر وكاب احنا اخواتكوا مش إرهاب"!

ثم جاء وقت صلاة العصر.

افترش الناس الأرض أمام رمسيس هيلتون وحتى موقف السوبرجيت. وأقاموا الصلاة، تخللتها بضع دقائق من الدعاء والبكاء الحارق، يكفي القليل منه أي إله! بعدها مباشرة تحركنا معا لنحاول من جديد.

هذه المرة كان الأمر غريبا. لم تطلق علينا أي قنابل، حتى عبرنا موقف عبد المنعم رياض ورأينا التمثال عن قرب. طلب الناس من الجميع الجلوس على الأرض. "سلمية ... سلمية!". الآن سيعتقدون أن هذا حدث بسبب دعائهم في الصلاة!

فجأة تهاوت علينا القنابل. الكلاب! كان كمينا!

في هذه الحالات يكون عليك أن تنظر للأمام والوراء في نفس الوقت، لتتفادي القنابل وأماكن سقوطها وعدم التعثر بأي شخص ومساعدة من يسقط بقدر الإمكان، والذهاب لمكان غير مكشوف يمكنك الاحتماء فيه. عظيم! اكتسبت خبرة جيدة مقارنة بيوم الثلاثاء!





كان من الواضح أن قوات الأمن تتقدم نحونا وكل وقت يمضي نخسر المزيد من الأرض وتصبح حركتنا أكثر تقييدا. الآن لم يعد لدينا غير المنطقة أمام رمسيس هيلتون والحارة الصغيرة بجواره التي تنتهي بعربات أمن مركزي. هل نذهب إلى الكورنيش؟ حذرنا كثيرون من هذا "ما حدش يروح الناحية دي!" لم لا نجرب؟ حاول البعض الاحتماء في مبني رمسيس هيلتون ولكن الأمن أغلق أبوابه أمامهم. فجأة ازدادت القنابل ولم يعد مفر من أن نجرّب الكورنيش.

وجدنا الأمن يغلق الكورنيش من الجهتين، يمينا ويسارا. وأطلقوا علينا قنابل الغاز، وقنبلة أخرى أصدرت دويا عاليا وأصابت فتاة، لم أدرى نوع القنبلة ولا مدى إصابة الفتاة. تبعثر الجميع تحت ضغط القذف، وصار كل شخص يبحث عن مكان يحتمي به. دخل كثيرون في هذه الحارة الصغيرة. وجدت نفسي في موقف عبد المنعم رياض الثاني، أمام الفندق مباشرة. كان الموقف مكشوفا تماما، فأدركت أنني يجب أن أنسحب منه لأي مكان. نظرة سريعة جعلتني أدرك أنه لا يوجد سوى هذه الحارة، ولكن عليّ عبور سور حديدي ثم سور مطلع كوبري أكتوبر لأعود من حيث أتيت. وجدت رجلا ملتحيا يتسلق السور.وجدت كذلك فتاة محجبة بدت وحدها وأدركت أنها لن تستطيع تسلق السور وحدها.

- لو لوحدك ممكن أساعدك عشان تعدي

تسلقتُ السور ثم أمسكتُ بيدها لتصعد عليه.

- خلاص، أنا هاستريح هنا شوية والسور التاني قصير هأعرف أعديه لوحدي

- براحتك

كنت منهكا جدا من الغاز وعيني تؤلمني منه كذلك. توغّلت قليلا في حارة رمسيس هيلتون القصيرة. شباب متناثرون في كل مكان، متعبين، على وجههم آثار الإرهاق، والغاز! لمحت ثلاثة من الأجانب، كانوا يبتسمون. فكرت أنه بالنسبة لهم الأمر لا يخلو من لهو، وهم في أمان لحد كبير، بينما بالنسبة لنا مسألة حياة أو موت. كان الأمن في السنتر التجاري المواجه لرمسيس هيلتون يقفون خارج السنتر مع الناس، ولكنهم يمنعونهم من الدخول.

- احنا واقفين برة معاكم أهو، بس مش هينفع تدخلوا.

احتمى البعض في الهيلتون، بالوقوف تحته، وبدا البعض الهتافات بأسفله. لا شك أنهم لن يضربوهم لئلا يضروا الفندق أو الناس به. ولكن هذا لم يردعهم. أطلقوا قنابل الغاز على هؤلاء الناس أسفل الفندق وأصبحت القنابل تأتي حتى أول الحارة. أين نذهب إذن؟

كانت هناك سيارة مطافئ بداخلها جنود وضابطين يقودانها، كان موقعها يقول أنها هناك ربما لحماية السنتر. كان من الواضح وجود اشتباك لفظي بين متظاهرين والجنود.

- العساكر في حالهم ما حدش كلمكوا

كان الضابط يدافع عن جنوده أمام المتظاهرين

- ملهمش دعوة يا عم، هما مالهم

كان من الصعب إقناع الناس أن هؤلاء ليسوا "مع الأمن".

آخر الشارع تحصينات ماسبيرو الضخمة، ويسارا لا مخرج إلى الكورنيش إلا وآخره الأمن المركزي. ولكنا هنا لا نتحرك ولا نواجه الأمن ولا نفعل شيء! لا بد من الانسحاب من هنا. تبدو المعركة ها هنا خاسرة.

قابلت بعض الأصدقاء واتفقنا على الانسحاب من المكان والذهاب لجبهة أخرى.

الحارة الصغيرة التي بجوار موقف السوبر جيت هي مخرجنا الوحيد الآن. أكثر من مرة طلبت منهم الإسراع، الخطر هنا لا ينتهي وقنابل الدخان تتقدّم باستمرار حتى لم يعد هناك مكان آمن منها.

دخلنا هذه الحارة. لم يسرني ما رأيت كثيرا. شباب كثيرون، هذا صحيح، ولكني لاحظت أن أغلبهم من هذه المنطقة الشعبية، التي تتبع بولاق. المفروض أن هذه الحارة يمكنها أن تذهب بنا إلى الإسعاف. ولكن ما هدفنا؟ هل أن "نروّح" أم نذهب لمظاهرة أخرى في منطقة ليست تحت الحصار كهذه؟

تجادلنا. كنت قد قررت العودة للبيت. قلتُ أن الدعوة كانت لمظاهرة سلمية، وما يحدث هنا ليس سلمي أبدا! وأنه قيل أنه لا استخدام لشعارات دينية، وهو ما لم يحدث. فبالتالي، هذه ليست معركتي. لم يكن أحد فينا يعلم ما يدور الآن في أي مكان آخر بدون اتصالات أو إنترنت. في الحقيقة أيضا، وهو ما لم أقله حينها، أنني لم أرى معركة متكافئة أو حتى معركة. أسلحة في مقابل أجساد وفي أكثر الأوقات عنفا، مقابل حجارة.

ليس هذا بالعدل. أريد أن أموت وأنا أقاتل، لا أن أسلّم نفسي أو جسدي هكذا. آخرون – أصغر مني ربما ست أو سبع سنوات، أي شباب :) - كانوا مع المواجهة بأجسادنا العزلاء. ربما كانت كل هذه مجرد مبررات وأنني فقط كنت، ببساطة، خائفا من الموت أو الإصابة. بعيدا عن من أحب.

فيما بعد أقتنعت بأنه كان معهم حق، بالضبط مثل الأولاد الذين كانوا يلتقطون الحجارة الضخمة من الأرض بينما أنا ألتزم بالسلمية، المثالية التي كان عنف الأمن معها يجعلها تدعو للسخرية.

توغّلنا في الحارة لنسأل عن طريق الخروج.

"ما فيش سكة، في الآخر هتلاقي عربيات الأمن المركزي برضة"

"ما حدش يقدر يخش هنا. طب خليهم ييجوا كده. الناس هنا تاكلهم. اطمنوا"

"عاوزين تخشوا تستريحوا تعالوا. في مكان كمان فوق للحريم"

عشرات من الشباب، إما من المنطقة أو "زي حالاتنا". من الصعب وصف جو الترحاب والود الذي عاملنا الناس به في تلك المنطقة. في النهاية، جلسنا على ما يشبه مصطبة لنستريح. أخيرا. أذكر منهم طارق الدويري وأميرة الوكيل ومحمود وحنان ومصطفى عيسى وعمرو ومعتز.

عرفت وقتها أن التليفونات الأرضي تعمل. بعد نصف ساعة سرقناها من إرهاق وفزع هذا اليوم قررنا التحرك للبحث عن مخرج. العودة لحيث كنا حماقة: القتل أو الاعتقال. قابلنا من دعانا للانتظار وطمئنا على أنفسنا في هذا المكان – بين أهلنا كما قال. آخر كان وجهه مشوها قال أن بلطجي ألقى عليه "مياه نار". لا توجد مستشفي في هذه الأجواء، للأسف! أين سيذهب المسكين؟ سيقبضون علي كل الجرحى والمشوهين من كل المستشفيات، نعلم هذا. وصلنا إلى شارع جانبي قالوا أن نهايته هي الإسعاف. شارع شعبي تجد مثله في شبرا الخيمة أو الشرابية. قابلنا زملاء نعرفهم كانوا قادمين من مظاهرة الإسعاف، باحثين عن مكان بلا حصار مثلنا! توقفنا في منتصف الشارع نتناقش، نرجع أم نمضى؟ معركة بين شخصين لا نعرفهما. هل ينبغي أن يأخذنا الفضول هاهنا؟ انضممنا لبعض وقررنا محاولة الوصول للإسعاف.

كنت في أكثر اللحظات سوءا في هذه اللحظة، العود بلا فائدة، وربما المضي كذلك!

في هذا الزحام انتبهنا فجأة لعدم وجود اثنين كانا معنا. عادا لحيث كنا. للاستطلاع!

توقفنا ننتظر. تطوع أحدنا ليذهب ليحضرهم.

"ما ينفعشي يا جماعة نجيب واحد ويروح واحد."

جاء أحدهم مصابا في قدمه، ربما جزع بسيط. سيدتان بالشارع يحاولا إقناعنا بأن يراه طبيب بمسجد قريب، وواحدة منهما تبكي تأثرا.

دعوة لدخول بيت من أجل بعض الراحة، قالوا أن به تليفزيون يلتقط قناة الجزيرة. دخلنا جميعا. كانت الجزيرة باللغة الإنجليزية.

فرض حظر التجوّل! انسحاب الشرطة ونزول الجيش.

فرحنا "مبدئيا"! اتصلت بالبيت لأطمئن أمي. وجدت الخط الأرضي يعمل. كانت الساعة تجاوزت الخامسة، وكان موعد بدء الحظر هو السادسة مساء، حتى السابعة في اليوم التالي.

وقفنا حائرين عند تقاطع هذا الشارع مع الحارة الضيقة التي تؤدي إلى حيث كنا. أعطتنا سيدة كانت تنظر من الدور الثالث بعض المعلومات عن موعد الحظر ونزول الجيش. هل نعود أم نذهب إلى أين؟ انسحب الشرطة يعني أن الطريق أمان، ولكنه يعني أيضا أن علينا الذهاب للبيت قبل موعد الحظر. لم أمر قط بمثل هذه الخبرة، حظ التجول، لكن الأمر لا يتطلب الكثير من الذكاء: إذا بدأ وقت الحظر فيجب ألا تتحرك من حيث أنت، حتى موعد انتهائه. عرض علينا الأهالي الكرام بالفعل المبيت، لكني لم أجدها فكرة صائبة.

تحركنا عائدين.

عدنا إلى تلك المنطقة أمام رمسيس هيلتون. كنا مجهدين، ولكنا فرحنا بالنصر. ضحكات وعناق و"بلادي بلادي" ولكني لم أكن قد شعرت بعد بأن الأمر قد انتهي.

فجأة لمحنا مدرعات للجيش تأتي من على كوبري أكتوبر نحونا. كانت سعادتنا بالغة. لوّحنا لهم ونحن نستقبلهم استقبال الفاتحين.

لكنا لمحنا على تلك المدرعات "الحرس الجمهوري" وليس "الجيش"؟

هل يجب أن يقلقنا هذا؟

علمت فيما بعد أن مبارك أرسل الحرس الجمهوري، لأنه أقرب، حتى يأتي الجيش، لحماية ثلاث مباني: التليفزيون، ومجلس الشعب، ووزارة الداخلية. نسى المتحف بالطبع، ولكن بعض الشباب شكلوا درعا بشريا لحمايته. قوات الحرس الجمهوري هذه، التي هللنا لرؤيتها، أطلقت النار الحي على كل من اقترب من هذه المباني الثلاث، ولو بالخطأ. ولم يجر بالطبع أي تحقيق في هذا، وفي أحداث أخرى كثيرة جرت في هذا الوقت الذي وقف فيه الزمن.

ذهبنا إلى نقابة الصحفيين في طريقنا. قابلنا نديم منصور أمامها وكيمو وآخرون. بعض الصور التذكارية مع مقذوفات الرصاص الفارغة وقنابل الدخان! دخلنا بالنقابة لبعض الوقت لالتقاط الأنفاس.

بدأنا رحلة العودة سيرا على الأقدام، بالطبع. بعد كل هذا! لا توجد سيارات. علامات الحرب على جانب الطريق ما بين سيارات محترقة وشوارع مظلمة. نديم أخبرنا أنه سيذهب ليلقي نظرة على التحرير. لم أفهم جدوى هذا بعد عناء وتعب كل هذا اليوم الطويل، وفيما بعد فهمت إنه كان معه حق. في غيبة من أي شاهد على ما يحدث، كان يحدث كل شيء، وأي شيء.

كنت أظن أن هذا اليوم قد انتهى. كنت مخطئا.

وصلت البيت.

قضيت ليلة من أكثر الليالي رعبا في حياتي. كان التليفزيون المصري يبث الرعب بين المواطنين، مذيعا على الهواء رسائل استغاثة من مواطنات يصرخن طلبا للمساعدة من البلطجية واللصوص. ليلة بلا شرطة، بلا أمن.

لا أدرى من أين أتى المصريون بفكرة اللجان الشعبية. كانت إلهاما عظيما أمكننا به مواجهة خطة الفوضى الشيطانية هذه، عقاب الثائرين على ثورتهم. سهر كل الشباب والرجال بكل منطقة يدافعون عن أنفسهم وذويهم. ليلة واحدة حملت بضع سنوات من الصلابة والنضج للصغار والمراهقين، الذين كانوا يحملون العصي وسكاكين المطبخ في مواجهة غول المجهول، ووحش الخوف.

في منزلك، بلا حول ولا قوة، تستمع بالخارج إلى أصوات طلقات الرصاص، وصياح، وصراخ. تتوقع أن يطرق الأشقياء بابك أو يكسروه، وقد أبيحت لهم المدينة نهبا وسلبا. أو تقف في العراء، أمام بابك، لتدرأ الخطر عن أهلك، فلا تدري من أين يجيئك الرصاص أو الهجوم، أو إن كان عدد الأشقياء أو نوع سلاحهم سوف .. لا لن تفكّر في هذا.

لا بد أن نعاقب المسئولين على هذه الليلة.

انسحبت الشرطة فجأة، كلها. كان الأمر منظّما. فيما بعد علمت من أقاربي بقريتي الصغيرة بالقليوبية التي بلا شرطة، ويسير أمورها "العمدة" و"الغفر"، أنهم قاموا بتسليم أسلحتهم، بنادقهم الصدئة، للنقطة التابعين لها بعد صدور أمر لهم بفعل هذا. والسجون التي فتحت أبوابها لتهريب المساجين – في رواية أنهم أكثر من 20 ألف سجين – كانت سجون الرجال فقط، دون النساء. كانت خطة هرب تتضمن إثارة فوضى شاملة تنتهي برعب لا يُنسى.

هكذا هذا الثأر أيضا، لا يُنسى.

على أي حال، حدث بعدها الكثير والكثير مما ينبغي ألا يترك دون عقاب.

كانت هذه هي فقط، البداية..