سيزيف مصري

في الأسطورة الأغريقية، سيزيف في الجحيم وعقابه أن يرفع صخرة من القاع حتي قمة جبل شاهق، وقبل أن يصل بقليل تسقط منه لأسفل، فيعود ليبدأ من جديد، بلا نهاية. ما أشبه ذلك بنا، أولادك يا بلدي

Saturday, October 21, 2006

مسلم أم مسيحي: الهوية والوعي الطائفي

الهوية ليست فقط إجابة سؤال "من أنا؟" و إنما أيضاً "من هو الآخر/من ليس أنا؟" لا يمكننا تخيل فكرة الهوية وأنا بمعزل عن الآخر، لأنه يكون في الغالب السبب وراء الرغبة في التميّز: لستَ أنا، لأن أنا كذا وكذا.
وفي أي مجتمع يتمايز أفراده لمجتمعات أصغر أو كتل إذا صح التعبير يوجد الوعي الزائد وأحيانا المفرط بالهوية. الوعي الطائفي. يصبح أول انطباع وأول سؤال وأول هَم هو إذا كان هذا مننا أم لا. مننا = معسكرنا/ قطيعنا/ أهلنا/ ديننا/ من يمكن أن نطمئن له/ من معنا عند الصدام أو الحرب. اعكس كل هذا لتصف من "ليس منا".
هل يمكن أن يوجد مثل هذا الوعي في البيت؟ في هذه الحالة ماذا ستكون تصوراتنا علي العلاقات داخل تلك الأسرة؟ يفيدنا أن نتصور المجتمع كأسرة كبيرة جداً، من الممكن أن يكون بها هذا الوعي الطائفي.


نتذكر هنا مبادرة فرنسا، الدولة العلمانية، لمنع الرموز الدينية لأنها تكرس للطائفية، وجهة النظر هي أن المجتمع ككل به أفراد يهمنا ألا يعاملون بعضهم البعض بناءً علي ملابسهم أو الرموز الدينية.
من منا لم يري سائق تاكسي مثلاً يقف لسيدة لأنها ترتدي النقاب و لا يقف لأخرى لأن ملابسها توحي بأنها غير مسلمة أو غير متدينة؟ أو العكس؟ أو آخر يضحي بمقعده في الحافلة من أجل الأولي أو الثانية؟ لنا أن نتخيل المجتمع وأبناءه بدون تلك الرموز، التي تسهل التمييز بين الأفراد/المعسكرات. يسيطر علي الجماعة وعياً جمعياً يجعل الكتلة القريبة من بعضها عقائدياً في حاجة لأن تكون أفرادها متشابهون، في الملابس أو الشعر أو اللحية أو....الخ. فيحتار المسلم مثلاً في "أخيه" المسلم الذي لا يطلق لحيته أو الذي يقرأ في الشيوعية أو يسمع الأغاني، لأن العناصر أو الممارسات أو الطقوس التي يمارسها أولئك المنتمون لديننا ليست كاملة فيه أو لديه. إذن هو بلا شك لديه مشاكل، وتصير هناك حاجة للتأكد من "هويته". وفي وجود ثقافة هشة وبلا أساس حقيقي حتى حيال الدين تجعل الإنسان غير قادر علي معرفة هوية الآخر إلا من عناصر معتمدة وواضحة لا تجعل مجالاً للالتباس وكذلك مرئية. ويصبح التدين/الدين مجرداً في تلك العناصر، التي قد تكون الصلاة أو اللحية أو الأكل باليمين أو النقاب أو الحجاب، الخ. أو ربما كل هذا.

علي أنه يجب ملاحظة أنه ليست كل الرموز دلالات عن الهوية، فهناك شرط أن الرمز رسالة لها معني ودلالة لدي الآخر. فإذا كان ارتداء الحجاب رمزاً فعدم ارتدائه لا يصح كونه رمزاً إلا إذا كان من طرف بنت مسلمة في مجتمع إسلامي فقط وبلا متدينين آخرين. هنا تكون هناك رسالة يحملها الارتداء من البنت للمجتمع. أما إذا كان المجتمع مختلطاً فتفقد الرسالة جزء كبير من شحنتها، قد تكون البنت منتمية لأي دين آخر. الرموز الدينية واضحة وصريحة ولا تقبل الشك. الشباب الذي يرتدي ملابس "روشة" أو "باندانا" أو جينز مقطوع أو طويل لا يمكن اعتبار ذلك تعبير غير صحي عن الهوية رغم أنه مرئي، لأن هناك اعتبارين هامين حيال ذلك: ما الرسالة وتوجه إلي من؟ تختلف إجابة السؤال عندما يكون الرمز صليباً مثلاً في منطقة شعبية بالقاهرة.

!لماذا يتكلم العلمانيون كثيراً عن الدين بصفته العدو الأول للمجتمع العلماني؟ لأن المتدين بأي دين، بالنسبة له الآخر، الغير متدين بنفس دينه، كافر. علي أن أديان التبشير (كالمسيحية والإسلام) تتسامح بدرجة أكبر مع الآخر لأنه "مؤمن محتمل". يختلف الموقف تماماً إذا كان هناك يقين بأنه لا فائدة منه وأنه لن يتأسلم/يتنصر أبداً! والموقف من الكفر في كل الأديان – أو بالأحري متدينيها – تختلف درجته وإن كانت كلها تحوم حول نقطة واحدة بالقرب والبعد: الاغتراب. أحيانا ما يكون الاغتراب محملاً بالشفقة والأسى وأحياناً أخري بالكراهية والغضب.
الجو المشحون بالوعي بالطائفية يسهل فيه وجود ممارسات ذات مرجعية دينية تبدأ بالتمييز والتعصب وتنتهي بالحرب الأهلية. في المجتمعات التي تسمي علمانية توجد فيها تربية علي ثقافة الاندماج والتعدد، ولكن كيف لا يصاحب هذا طمساً أو تشويهاً للهوية؟ الأمر ببساطة أن تلك المجتمعات تحتاج لكي يعيش أفرادها ذوي الانتماءات أو الجنسيات أو الأديان أو الأعراق المختلفة معاً (مثل الولايات المتحدة وفرنسا وأستراليا) أن يتنازل أفرادها عن فكرة "الهوية المرئية". لا مشكلة في وجود الهوية ولكن كل المشكلة في وجودها "ظاهرة" أو "مرئية". لماذا يحب فرد أو عضو ينتمي لمجتمع مختلط أن يكون في مظهره أو ملابسه ما يجعل من السهل "تصنيفه"؟ تلك الحاجة في رأيي مصدرها الوعي الطائفي المفرط، الذي يجسد الاغتراب مادياً في صورة رمز أو رداء. لست أنت أنا، "لأني أؤمن بهذا يا بن ال....". لا يعني هذا أن تلك المجتمعات قد تخلص أفرادها نهائياً من التمييز أو العنصرية لكن يمكن القول أنهم يسبقوننا بخطوات في طريق التخلص من الوعي الطائفي
قد يحاجج البعض بأن الحجاب في الإسلام مثلاً، كرمز ديني، مفروض من الله، وبأنه ليس رمز تستخدمه المسلمات للتمايز عن غيرهن. ولكن في الحقيقة أنه لا يختلف كثيراً عن الجلباب القصير واللحية التي يطلقها "الملتزمون بالسنة". قد يكون من المفيد هنا تذكر أن عمر ابن الخطاب، الخليفة الراشد الثاني، كان يعزر أو يضرب الإماء (الجواري) الذين يرتدين الحجاب لأنه لباس الحرائر في المدينة. في ذلك العصر كان الحجاب رمز اجتماعي أو طبقي، وليس ديني، ترتديه الحرة وليس الأمَة. الآن تغير الأمر وصار رمز ديني لا لبس فيه (إلا في حالات قليلة)، ولأنه صار حاجة اجتماعية فتبناها الدين وحوّلها إلي ضرورة وفرض. صار الآن من الممكن أن تجد طفلة تتعثر في ملابسها الطويلة أو ترتدي حجابها وهي تلعب مع أقرانها "السافرات"...لنا الله

تعليقاً كذلك علي تدوينة مختار العزيزي "صليب ومصحف ... نهود عارية وبريتني سبيرز وخمور وشجع الدنمارك"
سيزيف

6 Comments:

  • At 7:34 AM, Blogger free soul said…

    i have some points here:

    العلمانى يرى التدين عدوه لأن كلاهما على خطأ: الدين, أى دين لا يدعوا للكراهية أو الاغتراب و لكن التعصب و التطرف و التفسيرات السلفية الخاطئة تفعل

    فى المقابل فالفكر العلمانى العدوانى لكل ما هو متعلق بالتدين يذكى نار العداوة بين الحمقى من الطرفين و يقطع الأمل بأن ينجح العقلاء فى التوفيق بين العلمانية كمبدأ سياسى للدولة و التدين كعمل فردى ذاتى و علاقة بين الفرد و الله

    من ناحية أخرى لا أعتقد أن الحل هو طمس كل ما يدل على دينك أو هويتك امام الناس!! هنا تأكل مبادىء الحرية بعضها فبينما تسمح بارتداء أى ملابس و لا ترى هذا مبررا للتحرش الجنسى فهى تمنع ارتداء ما يدل على الدين باعتباره يدعو للتحرش الطائفى أو التفرقة حتى!!

    أيضا لا أتفق مع أن الحجاب رمز لكونه مذكورا فى نصوص قراّنية و لكننى أعترف بعدم تبحرى فى هذا الموضوع بالدراسة

    مشكلة الطائفية لا تحل مظهريا و لكن تحل من الداخل و كلما زادت الحرب المظهرية اشتعل العداء و زادت الفرقة

     
  • At 7:15 AM, Blogger سيزيف مصري said…

    عزيزي فري سول

    موقف العلمانية من الدين مبني علي الموقف من المرجعية المطلقة للدين التي تستند إلي السماء وبالتالي لا تراجع وتتعارض مع حاجتنا كبشر لما هو بشري/نسبي/غير مطلق. في النهاية إذا ما اتفقنا أن نعش معاً في مجتمع فلا بد من نظام نطبقه، قد يكون الإسلام أو العلمانية أو الشيوعية أو الرأسمالية أو...وفي كل اختيار ستجد من يتعامل مع هذا النظام ومن يري أن هناك ما هو أفضل ويتبناه و من يحاول هدم النظام القائم أو نقده وتطويره أو إصلاحه وهكذا. إذا كانت العلمانية والدين كنظام سياسي كلاهما خطأ في رأيك، فماذا تقترح لنا في المجتمع كنظام سياسي؟
    مشكلة ما يدل علي دينك أو هويتك أمام الناس ليست مشكلة دائمة وعلي الدوام، تحدث فقط في المجتمع أو الجو المشحون بالوعي الطائفي أو التمييزي، عندها يكون من مصلحة الأفراد التصرف بهذا الشكل التستري، يعيدنا هذا للسؤال لماذا يحتاج فرد في مجتمع أن تكون هويتة ملحّة ومستفزة وواضحة للعيان؟ الإجابة الأوجه أنه لديه مشكلة مع الآخر الذي يوجه له هذه الرسالة.

     
  • At 8:36 PM, Blogger عمر said…

    عزيزي سيزيف، أولا أشكرك علي جدية موضوعاتك، ثانيا أود أن أوضح أنني أري أنك في اجابتك أعلاه وضحت نقطة الالتقاء التي لا يراها أحد بين الدين والعلمانية، فالاثنان يلتقيان حيث يؤمن المرء بمعتقداته لكن يعامل الآخر بحيادية تامة بصرف النظر عن معتقداته. والدولة تكون علمانية عندما تعامل مواطنيها بحيادية تامة كافلة لكل شخص حرية العقيدة دون تحيز أو دون تبني عقيدة "رسمية" للدولة. والحقيقة انه في ظل العلمانية السياسية يمكن للحياة الدينية أن تزدهر بشكل كبير (علي الأقل نظريا) في أي مجتمع، إلا أنه لسبب ما سادت فكرة في مجتمعنا المصري ان العلمانية هي مرادف للكفر وإنكار الأديان، كما ان هذه الفكرة يصدق عليها بعض ممن يتبنون العلمانية منهجا حيث يعتبرون نفسهم مجرد رد فعل لتيار الاسلام السياسي ونتيجة لرد الفعل غير الناضج يقومون بالتقليل من قيمة الدين في المجتمع بشكل عام. أنا شخصيا لا أري تعارض بين حرية كل شخص في الأيمان وممارسة ما يؤمن به وبين فصل الدين عن الدولة، بل علي العكس أري انهما فكرتان لا تنفصلان. وعلي أي حال الكلام في هذا الموضوع يطول! حفظك الله

     
  • At 12:12 PM, Blogger Aladdin said…

    تساؤل هل تستطيع العلمانية استيعاب/احتواء الدين المنظم أو غير المنظم؟! بمعنى هل هناك أنظمة علمانية "غير قمعية" - أو لأكن أكثر تحديدا - غير "إقصائية" للآخر الديني؟!

    العلمانية الشيوعية في الاتحاد السوفيتي ما قبل البرويسترويكا كان يتصور الدين من بين الأشياء التي يريد "مسحها" من على وجه الأرض مثل الملكية والاقطاع، هل الحل في العلمانية "الليبرالية" مثلا؟! مجرد تساؤل

    أرجو عند الرد على تساؤلي أن تخطرني بذلك (معلش لو فيها رزالة يعني) :))

     
  • At 9:36 AM, Blogger سيزيف مصري said…

    عزيزي ألادين (علاء الدين يعني)،ه

    ستتفق معي أن هناك فرق بين كل نظرية وبين محاولة تجسيدها أو تطبيقها، النظرية وبين محاولة تطبيقها علي الأرض. العلمانية يمكن أن تكون نظام يحاول أحد تطبيقه قسراً أو من وجهة نظره. حكم مبارك ونظامه علماني بدرجة ما وليبرالي، فهل تم فيه استيعاب الآخر، أو أصلا وضح فيه من الآخر؟

    العلمانية قبل أن تكون نظام هي إجراء، إجراء باستبعاد الثيوقراطي والميتافيزيقي وبتبني ما هو إنساني ومن هنا كان يمكن القول أنه رغم هناك حديث عن الاستبعاد، فهناك الهوية الإنسانية التي تجعل من الممكن قبول الآخر الديني، لأنه إنسان.
    يقول ماركس مثلا عن رجل الدين أنه رغم أنه ليس له دور في دولة ماركس إلا أنه يمكن تركه ورجعيته ستكشفه وتجعله ينهار وحده. تجد الأمر يختلف مع الشيوعية اللنينية أو الستالينية
    هناك نماذج يمكن النظر لها، في الغرب، مثل فرنسا، والموضوع ليس المسمي نفسه ليبرالية أوغيره، ولكن بمن يطبق العلمانية وأين وبأي ثفافة تقبل التعدد أو لا تقبله، هذا والله أعلم
    .

     
  • At 1:44 AM, Blogger مقاومة said…

    اعجبتني طريقة عرضك لأفكارك أياً كانت أنت حر و أحب أن أكون انا و انت احرارا ليس من حق أحد الوصاية على أفكارنا ولا حد يقولي الكلمة الغبية بتاعة "احنا مجتمع شرقي" كلمة في منتهى الغباء المستحكم لأننا بكل بساطة إن لم نحافظ على هويتنا التي اخترقها الآخر فليس من حقنا أن نتجاهل ما يحدث بها من تخريب و غزو ثقافي علينا أن نتعامل مع الاختراقات و الواقع بشكل عام على أنه واقع لا أن نخفيه و مسألة الاسلام و المسيحية و اليهودية فلا أعتقد أن المجتمع الذي اجبرنا على العيش معه أصبح يتفهم تقبل الآخر كما هو ، بل أصبح على يقين تام بأن الآخر دائما ما يكون هو المخطئ سواء في الدين أو وجهة النظر الثقافية او السياسية ، المجتمع أصبح في غاية السوء و اعتقد أن الاعلام لعب دورا اساسيا في تغييب الوعي و أصبح أيضا ينقصنا"الحب" ، فالحب هو الحل

     

Post a Comment

<< Home