سيزيف مصري

في الأسطورة الأغريقية، سيزيف في الجحيم وعقابه أن يرفع صخرة من القاع حتي قمة جبل شاهق، وقبل أن يصل بقليل تسقط منه لأسفل، فيعود ليبدأ من جديد، بلا نهاية. ما أشبه ذلك بنا، أولادك يا بلدي

Saturday, January 06, 2007

في اللعب مع المدونين





في اللعب مع المدونين

مما لا شك فيه أن ظاهرة التدوين تفتح آفاق رحبة للتأمل واللعب. رحبة وممتدة رحابة التدوين ذاته، التدوين ذلك المتنامي وغير المتناهي. إن التدوين ليس هو ذلك الفعل المنفلت بامتياز من عقال المؤسسة الأمنية فحسب، بل إنه كذلك هذا الفضاء المنفلت من أسر كافة المؤسسات الثقافية والسياسية والاجتماعية المألوفة. لا ليكون بذلك مجرد إفلات هروبي، بل يتجاوز هذا الآفق، فيكون انفلات مواجهة لتلك المؤسسات. وليكون معول ضارب في عمق تحصينها الاستراتيجي ذاته -بقدر لم يسبق لنا مصادفته في تاريخنا الحديث برمته- وهو إذ يفعل لا يرفض فحسب الإجابة على تساؤلاتها –أعني المؤسسات المألوفة- يرفض تساؤلاتها الاستنكارية بشان حقيقة وجدوى وجوده، بقدر ما يهبها هو في المقابل ورقة أسئلة من طرفه تكون هي الملزمة بالإجابة عليها وفي كل ثانية.

يرجع البعض فكرة التدوين إلي عام 1997 عندما بدأ جون بارجر، مبرمج الكومبيوتر الشهير، بوضع تعليقات وتجديدها يومياً على موقعه الالكتروني. وكانت بمثابة جريدة يومية يحررها فرد واحد. و لتكون بذلك تنويعة جديدة على روبنسون كروزو –رائعة دانييل ديفو؛ والتي تعرض لمكوث روبنسون الناجي من غرق سفينة، وحياته بمفرده على جزيرة، بما يولد ذلك في نفسه معزولاً وسط البراري، من تأمل للمشروع الحضاري الإنساني برمته وقذاك-. وإن كان التأويل الأكثر شهرة للرواية ربط بينها وبين غربة إنسان تلك اللحظة وجفاف مورد التواصل الجمعي في لحظة انبثاق الثورة الصناعية على وجه التحديد. فإن بعض صناع الخيال العلمي وجدوا مقاربة طازجة لذلك بحالنا الراهن.

وجدوها في الإنسان الجالس على لوحة مفاتيحه في جزيرة معزولة عن العالم، ليتأمل العالم، ويحاكمه، بل يحكمه -ولو بعد حين وفقاً لشطحاتهم-. ومن منا لا يذكر شخصية المخرج في الفيلم الأمريكي ترومان شو والتي لعبها الرائع إد هاريس؟! حيث صنع كون كامل لترو مان/جيم كاري ومنذ لحظة مولده، وجلس ليدير هذا العالم من خلف شاشة كمبيوتره.. يهمنا في هذا المقام، ما كشفه الفيلم من بعد. لقد كشف عن عزلة ذلك المخرج الداخلية العميقة، والتي أراد أن يجنبها لإنسان ما، ليكون هو فاقد الشيء الذي أراد أن يعطيه!

و بعيداً عن هذا الاستغراق نركز فقط على صورة الإنسان المعزول عن الآخرين وسط جزيرته المجازية الخاصة أما شاشه كمبيوتره، المعزول لكنه ليس أي معزول أنه المعزول المتحكم. و هي صورة ألمح إليها مفكرون معاصرون كثيرون ما بين محذر ومروج.. على أي حال تحققت هذه النبوءة بفعل التدوين. فجون بارجر حين عن له أن ينشر يومياً آرائه حول الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، خطا خطوة هامة في هذا الاتجاه. وأطلق على ممارسته وقتها أسم هو (ويب لوج)، دمجت لتصبح (ويبلوج)، ثم بلوج، ثم ترجمت إلي العربية بمدونة، والفعل تدوين، والفاعل مدون
..
دعونا ننطلق من صورة هذا المعزول/المتحكم والتي تمثل أيقونة فعل التدوين. فننقر عليها بالمؤشر ليتوافد إلى الذهن ما يلى:المدون بكونه معزول/متحكم ألا يشبه معزول/متحكم أخر، يطلق عليه في فضاء التحليل النفسي (اللاوعي).؟!

نعم. إنه هذا الكامن الرابض تحت السطح، ويقذف إليه بما يستعصي على المجتمع تقبله. فيضيفه إلي الحمم البركانية الموجودة أصلاً. ثم يتحين هو اللحظة المناسبة في غيبة الرقيب الواعي في حالات معينة..مثل؛ الحلم/زلات اللسان/السكر والتخدير/الجنون، فيخرج من حممه ما عن له إخراجه. ودعنا نربط بين فعل التدوين وتلك الممارسات لنكتشف الكثير ولنأخذ مثال المقاربة بالحلم..الحلم.. ثمة تضاد فعال بين قيمتين في الحلم، هما قيمتي الإخفاء والإفشاء. فالحالم يريد بالحلم أن يقول شيء ما. ويريد لا-وعيه أن ينقل رسالة قد تكون تحذيرية أو تنويهية أو أي ما كانت طبيعتها له. غير أن هذا الرسالة لا يمكن ذكرها ببساطة. إن اللاوعي يستخدم آليات معينة في عرض رسالته تلك، الغرض من استخدام تلك الآليات إخفاء هذه الرسالة على نحو ما. فهو يشوه ويبدل ويغير ويحذف ويضيف، يفعل كل ذلك حذراً منه ورغبة في طمس معالم هذه الرسالة. بالرغم من أنه هو مطلقها. و هو أمر يعرفه من يمارسون تأويل الأحلام. فبالرغم من أن الحالم يفشي لك حلمه بإرادته، لكن لا-وعيه يخفي الكثير، فهو يستبدل في الحلم زمان بزمان، ومكان بمكان، وشخص بشخص، وحقيقة بحقيقة مثل صلة قرابة بصلة..إلخ.. ولسان حاله يقول: (أريد أن أكشف لك نفسي، بشرط أن أخفيها حتى عنك)..

دعونا نسحب هذا السلوك على فعل التدوين، تتصارع ثنائية الإفشاء/الإخفاء في سلوك المدونون.. ويعزو البعض الأمر لأسباب أمنية. غير أن هذا ليس إلا جزء من الحقيقة في تقديرنا. فنفس الظاهرة موجودة بل وبكثافة في مجتمعات يخف فيها السعار الأمني. ولنتعمق أذن قليلاً في الأمر..لسان حال المدون ينطلق من (أنا لدي ما يقال.. لكن ليكن هذا الذي أقوله هو أنا بالنسبة لك، ماذا يهمك في شخصي، لديك من قنعاتي وفكري ورؤيتي ما أريد أن أمنحك إياه، ألا يكفيك ذلك؟!لماذا تريد أن تستلبني حقي في الخصوصية؟!) ولكن ما أقسى أن تجلس على المقهى فتسمع تعليقات الإعجاب أو الاستنكار على ما كتبته، فلا تشتبك مع ما حدث، ومن تحدث، بالرغم من رغبتك في ذلك، حرصاً على سريتك. ومن قال أن الأكثر سرية هم الأكثر شهرة.. وبالرغم أنه وبإجراءات يسيرة يمكن أن يحيط مدون نفسه بسرية كاملة -لو أنه أراد-.. لكن القيمتان تصطرعان، ويحلق السؤال الوجودي.. فما جدوي وجودي دون معرفة المخاطب بي؟! إنها حالة أشبه بالفنان الذي ينتقد الجماعة و لا يطربه إلا تصفيقها.. وهو أمر سنعود إليه لاحقاً..

الأمر نفسه ينسحب على زلات اللسان والتخدير والجنون فكما وجدنا صراع ثنائية الإخفاء والإفشاء، نجد ثنائيات تنبثق منها سواء في مسار العلاقة مع الأنا/الذات أو مع المتلقي/الآخر، منها ثنائية التواصل والعزلة، ثنائية الحميمية والقطيعة، ثنائية التغيير والقنوط، ويتردد صدى تلك الثنائيات تقنيا كذلك فلديك مثلاً؛ ثنائية الفصاحة و التعلثم، ولنا هنا وقفة.. ولأننا هنا ننطلق من المظهر الخارجي لننفذ قدر المستطاع لما هو تحت السطح.. نركز على ثنائية الفصاحة/التلعثم والتي يمكن ملاحظتها بسهولة من قبل متصفحي المدونات..تكشف تلك الثنائية أول ما تكشف عن رغبة لدى المدون دائماً في انتهاك أعراف الكتابة، صحة اللغة، بلاغة الخطاب.. ففي أحد المدونات تجد تعبيرات تخص الكلمات ذاتها وتتلعثم وهي تعرضها مثل "مجرد كلمات جديده اود الا تكون كمن سبقوها حمقاء" أو "وبالنسبة لحكمة الأسبوع الماضي ففي عز الكلام، سكت الكلام، وأتريني ماسك الهواء بإديا" أو " لم يبق في اللغة هامش للاحتفاء بما نحب فكل ما سيكون كان".. وعشرات النصوص القصيرة من هذا القبيل.. المتأمل يكتشف أن التلعثم البادي ليس عن قصور أو عجز، بل هو موقف من هذه الأشياء المحصنة عموماً وعلى رأسها اللغة والخطابة والكتابة الحصينة عموماً، والحصينة بشكل خاص في ثقافتنا..
أنه موقف -حسب تعبير سيروقهم في تقديري- موقف من (الكلام الكبير). أعود فأؤكد أنها ليست عن عجز أو قلة حلة، أو فقر تحليل، فتحت قشرة الاستسهال الظاهري، يجد المدقق كتلة متماسكة حيوية حاشدة. وبلاغة جديدة و طازجة تستبدل الكلمة بالصورة، والتعالمية بالتفاعلية، والتحقيق بالتعليق، والحكمة بالقفشة. وهي وسط ذلك لا تدعى أبداً امتلاك المعنى بقدر ما تشاكسك كمتصفح للمشاركة في استكشاف هذا المعنى بل وتكوينه على نحو ما. وبديهي أن هذا الملمح الجدلي يتفاوت من مدون لآخر، فأرباب القلم من المدونين من الكتاب والصحفيون نلاحظ أنهم مازالوا يجيبون ويمتلكون المعرفة/الحكمة، أكثر منهم يلتمسون الطريق إليها ويسألون بإيقاع وحساسية عصر التدوين. ففعل التدوين بالنسبة لهم لا يعدو أن يكون (تحديث) لا (برنامج جديد) حسب التعبيرات الكمبيوترية. لاحظ نبر جيل سابق عند التعرض لمسألة تخفي المدون إذ يقول:"أكثر ما يقلقني، شخصياً، هو قدرة صاحب المدونة على كتم هويته، مما يفتح باباً عريضاً للتساؤل هل هو من يقول؟ وهل هو من البلد الذي يدّعي مواطنيته؟ وهل نيته سليمة فعلاً، أم انه يبث دعاية سوداء ضد إفراد أو دولة بعينها أو دول؟" ومع شرعية هذا القلق وحكمته لم نجد له أي صدي أو فاعلية لدى المدونون لأنهم وببساطة سيقولون: وبناء عليه؟!، ولذا؟!، وعليه؟!، ما المطلوب على وجه التحديد؟!، أين عقلاء النت ليفتونا في هذا الأمر؟!..
إن مفهوم الوصاية النسبية التي يمتلكها صاحب الكلمة على الجمهور تخفت تماماً في هذا الوسيط، وعلى المتلقي تقع المسئولية الكاملة وللمرة الأولى. إن حيثيات ومؤهلات المدون ليست موضع مسألة. انه ليس الشيخ الذي يفيض على المريد بمعارفه، ولا هو المعلم الذي يمنح الدارس من فيض علمه.. إنه أشبه بالفنان.. المدون أشبه بالفنان الذي يطرح ما لديه على متلقيه بصيغة غير متعالية. لكنه ليس أي فنان بل فنان الحضور الحيوي الذي يتلقى الرد المباشر على ما يقدمه.. هو فنان المسرح صحاب الحضور الحي والمرسل المتلقي بالحضور الحقيقي لمتلقيه. من هذا التماثل يأخذ التدوين دفعة أولى. فإذا ما أضافنا للمزايا المسرحية، ميزة تغيير الصورة السريع التي تمنحها السينما. لوجدنا دفعة ثانية تمنحها السينما للتدوين..
فإذا ما أضفنا إلي ذلك ميزة التحرر من محدودية المُعدة البشرية التي تعرف بالممثل الإنسان، في فضاء البنية المشهدية الكمبيوترية غير الاستحواذية لكانت فنون الـ 3dبل و الـ visual art عموما قد منحت التدوين دفعة ثالثة هائلة.. وإذا ما أضفنا إلي كل ذلك دفعة إضافة المتلقي المحتملة للعمل، وإذا ما غلى كل ذلك في مراجل واقعنا الخصب المثير.. لكان لدينا إمكانيات هائلة لحقل فني فريد.. لا نتنبأ به فحسب بل ونراهن عليه بالفعل.
ودعنا ننهي المقال بإضافة تعكس حدود الممارسة التدوينية ومنطقها عملياً، ولنجعلها على طريقتهم لعب يشف ويكشف وبلا تعليق.. يقول:-وائل عباس: كان فيه حد بيقبض عليه فأنا جريت وراءه وبأصور فبتوع الأمن.. يعني زعقوا فيّ وقالوا لي لو صورت هنكسر الكاميرا وبتاع، فجريت أمامهم وبعدين قمت مصور وبعدين قمت طالع جري، فالضباط قال للعساكر هاتولي ابن اللي مش عارف إيه ده وجريوا فعلاً مسكوني وضرب بقى وعض في اليد علشان أسيب الكاميرا وخربشة وكلام من ده وبعدين في الآخر أخذوا الكاميرا، فأنا رحت ورائهم إلى نقطة الشرطة وعملت هليلة طبعاً أنا عايز الكاميرا يا تحبسوني معها وحاجات زي كده.. يعني بس فهم كان كل همهم إن هم يمسحوا الصور اللي جوه الكاميرا، فيعني قعدوا يحاولوا جوه ما عرفوش فبعتوا لي واحدة أمين شرطة.. يعني يضرب معي صحبية وكلام من ده، فقال لي طيب الكاميرا إزاي وبتشتغل إزاي وفي فيلم ولا بتنزل على الكمبيوتر، فعقد حاكيت له بقى القصة وكلام من ده وبعدين رميت له بقى الطعم في النص، قلت له بس والنبي ما تشيلوش البطاريات علشان لو شلتوا البطاريات الصور كلها هتتمسح وقد كان.. يعني شالوا البطاريات ورجعوا لي الكاميرا وهم فاكرين إن الصور مسحت، أنا روحت البيت نزلت الصور وفضحتهم
ياسر علام

4 Comments:

  • At 1:09 PM, Anonymous MaLek said…


    يعني حخف يا دكتور ؟في أمل

     
  • At 11:34 PM, Blogger سيزيف مصري said…

    للأسف، فات الأوان يا عزيزي
    حاول علي كل حال، قم بتدلييت مدونتك وابدأ من جديد، واضعاً في الاعتبار ما تقدم في المقالة

     
  • At 1:54 PM, Anonymous أحمد يكتب كما لم يكتب من قبل said…

    التحليل أكثر من هايل،لكنه للأسف نخبوي بصورة تكاد تكون مستفزة للبعض،كنت اتمني أن يكون أكثر تبسيطا حتي يتسني لاكبر كم ممكن من المدونين والمهتمين بشأن التدوين فهمه والتعامل معه والاحتفاء بهذا المجهود،ويحسب لك ذكائك في التعامل مع بعد التدوين كفعل نفسي وكفعل ابداعي،وأشكرك علي دقة ملاحظتك اليت كثيرا ما أثارت تساؤلات خاصة بداخلي حول لغة التدوين ومستوياتتها وابعادها وما وراءها،مجهود هايل كنت اتمني ان اقوم انا به،لكنك سبقت يابطل،موفق،وأشكرك بشدة،وانتظر تدوينتك القادمة

     
  • At 6:26 AM, Anonymous someone said…

    يعني هوه أنا مش متابع للمدونة و مش مدون أساسا

    بس حبيت أسجل اعجابي الشديد بالجزء الخاص بثنائية الإفشاء/الإخفاء ، حقيقي أكتر من رائع

     

Post a Comment

<< Home