المشهد المسرحي المستقل 2008
المشهد المسرحي المستقل 2008
"عندما يعطي من يملك لمن يستحق"
يعلق البعض آمال إنقاذ الحركة المسرحية المستقلة المصرية من الانحدار، تجاه الهوة التي تسير لها الحركة بخطي متسارعة في هذا العام 2008، على مهرجان يموله وينظمه مركز الهناجر علي مسرح روابط، باسم "50 ليلة وليلة" تشترك فيه سبع فرق مسرحية. ولكن...هناك دائماً وجهٌ آخر.
وتوقف مهرجان المسرح الحر بعد أربع دورات.
عام 1999 وعد وزير الثقافة بمنح للفرق المستقلة، لمقابلة ضغوط كان من أهمها دعم د. نهاد صليحة، وتقدم للحصول علي 12 منحة فقط تم الإعلان عنها قرابة 80 فرقة. وبعد اختيار مسئولي الثقافة للفرق المناسبة تراجعت الدولة عن تقديم تلك المنح، لسبب أعلنوه، هو أن تلك الفرق كيانات غير رسمية، ما لا يتفق مع القانون. (ولهذا السبب كذلك لا يملكون وضع قانونى يسمح بوجودهم في مسارح الدولة أو الاشتراك فى المهرجان الدولى للمسرح التجريبى بالقاهرة حيث ينحصر الترشيح لدخوله على الفرق التابعة للدولة، كما يمنعهم وضعهم من الحصول على تمويلات. وكما كتبت د. نهاد ذات مرة " إن أكثر ما يؤلم، و فى رأيى أكثر ما يمثل خطورة، يتركز فى غياب حق ممارسة المسرح. إذ تمنع نقابة المهن التمثيلية ممارسة فن المسرح على نحو احترافي لغير النقابيين.")
عام 2002 بدأت مجموعة أخرى على رأسها هاني المتناوي ومحمد عبد الخالق بتنظيم مهرجان للفرق المستقلة باسم مهرجان الكوميديا الخفيفة أو مهرجان الفرق المستقلة. وكان الحرص علي تلك التسميه الطريفة "الدورة الأولي واللقاء الخامس"، لربط المهرجان بمهرجان المسرح الحر. كانت دورته الأولي في المركز الثقافي الروسي، قبل أن ينتقل إلي مركز الهناجر الذي واصل دعمه حتى دورته الأخيرة 2006.
في أغسطس 2005 كان من ضمن الأماكن التي تستضيف عروضاَ للدورة الرابعة للمهرجان المستقل قاعة نهضة مصر، وهي قاعة تحت الأرض بمتحف محمود مختار التابع لقطاع الفنون التشكيلية، لرئيسه وقتها د. أحمد نوار (رئيس هيئة قصور الثقافة الحالي). قبل المهرجان بيومين طلب مكتب د. نوار نصوص العروض التي ستعرض في قاعة المتحف. كانت مشكلة أصحاب تلك العروض والمنظمين أن ذلك حدث قبل المهرجان بيومين وليس قبلها بفترة كافية تسمح باتخاذ أي إجراء. اجتمعنا وكان القرار، قرار تلك الفرق والمنظمين أنه لا للرقابة والبيروقراطية ولا ل "لوي الذراع" ورفضنا تسليم النصوص. وتم حل أزمة الثلاثة عروض المتضررة بعد الاتفاق مع د. هدي وصفي بالعرض في كافيتريا الهناجر أو في قاعة الجاليري. وكتب ياسر علام في نشرة المهرجان تعليقه الشهير " ياما مويل الهوا ياما مويليه...أرض الهناجر ولا حكم الرقيب فيه."
في عام 2006 تم تأجيل المهرجان المستقل قبل ساعة من افتتاحه، والذي كان من المزمع أن يتم في 1 أغسطس، في جو من الغموض، ثم أعلن لاحقاً ما يلي "التزاما بالموقف الرسمي لوزارة الثقافة المصرية ومركز الهناجر للفنون والموقف الشعبي لكل فناني مصر قررت إدارة مهرجان المسرح المستقل في (دورته الخامسة 2006 ) تأجيل فاعليات المهرجان لمدة أسبوعين آملين في دفع كل الجهود المحلية والدولية لوقف حرب الإبادة الدائرة ضد الشعب العربي في لبنان وفلسطين."
وإن كنت اتفق معها في ملامح كرنفالية تنقص هذا الحدث (مثل نقص الدعاية وقلة عدد الجمهور النقاد المتابعين له، وطول مدته – شهرين تقريباً)، إلا إنني أري أنه لا يزال مهرجاناً. ليس لحقيقة أن المهرجان مثل العرض ومثل الملتقي: حدث، أعني لغوياً، ولكن لأنني أجد به احتفالية، في رأيي، في اختيار الفرق القديمة فقط، وفي الاسم الذي يعطي له "50 ليلة وليلة" بإيحاءاته (رغم أنها ليست 51 ليلة عرض)، وفي تساوي الدعم المالي الذي تحصل عليه الفرق بغض النظر عن تكلفة العرض (25 ألف جنيه تقريباً)، وفي مجانية العروض بالنسبة للجمهور.
مهرجان تموله الدولة من خلال الهناجر، يعترف بالفرق ويكتب اسمها علي العروض، ويسمح لها بعرضها بعد ذلك كما تشاء دون الرجوع له، ويعطي كل فرقة هذا المبلغ للإنفاق علي العرض. ماذا نريد بعد ذلك؟
هل تستوي هوية الاستقلال مع الخضوع للرقابة؟
ما هو تعريف المستقل؟ وتعريف الفرقة؟
لماذا توقف مهرجان المسرح الحر بعد أربع دورات، ثم مهرجان الفرق المستقلة بعد خمس دورات؟
ها هناك ما يخيف في خروج مركز الهناجر من دار الأوبرا وتجاوزه لتلك المساحة؟
هل هدف الفرق المستقلة ربحي؟
ما مدي اهتمام الفرق بالجمهور (زيادته والحفاظ على جمهورهم، والبحث عن جمهور آخر)؟
ما مدى وعي الفرق المستقلة بأهمية الاستقلال المادي، وأهمية شباك التذاكر كمصدر دخل مستقل؟
ولكن تقديم الحلول السهلة للمخرجين لم يؤثر علي فرقهم فقط، بل أيضاً الحركة ككل، بانسحاب هؤلاء المخرجين وفرقهم، أو حتى حلها، بعد عثورهم علي حل فردي، ولنظرة الفرق الأخرى لهم كنماذج لديها رفاهية لا يملكونها. لا شك أن المطالب التي تسوقها أو الحقوق التي تطالب بها عشر فرق أعلى صوتاً وأكثر إحداثاً للتوتر – وبالتالي محرجة للموقف الرسمي أكثر – من خمسة. من هنا جاءت فكرة يسوقها البعض، وهي أن للدولة مصلحة في إعطاء مخرجين أو فرق بعينها دعم استثنائي.
وفي وضع بمثل هذا السوء الذي نحن فيه وإدراك الجميع بانتهاء فرص التمويل الأجنبي تقريباً، ربما أن الاستحقاق لن يكون فنياً فحسب. وكلمة مثل الانتهازية أو الغاية تبرر الوسيلة لن تكون خارج السياق بالكلية. وعلي الأقل يجب أن يتم تمرير النص من الرقابة. وكل من سيقدم مشروعه سيحرص على ألا يتم رفضه.
أحياناً ما تتسلل الرقابة إلي لا وعي الفنان، فتصير الرقابة الخارجية تحصيل حاصل.
في عام 2003 كان أول عرض شاهدته لفرقة أتيليه المسرح، علي مسرح الهناجر. لا زلت أذكره لأنه العرض الوحيد الذي أمتعني لمخرج الفرقة الآن، وأحد مؤسسيها، محمد عبد الخالق. كان اسمه "قلة أدب"، وكان عن الثقافة الجنسية ومشاكل العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمع متحفظ ومكبوت جنسياً. وأذكر أنه في نشرة المهرجان والدعاية كان اسمه "قلة...." مع حذف الكلمة بطلب الرقابة.
ربما أنه من وقتها لم تحتاج الرقابة أن تحذف أي شيء من عروض الفرقة. حتى عرض باسم مثل "حالة طوارئ" لم يخلق تلك الحالة التي نجح "قلة أدب" في صنعها، ولا يعلق بذهنك بعد سنوات إلا الاسم...حالة طوارئ.
وخطورة قبول الرقابة حتى من أولئك الذين لديهم عروض "نظيفة" (من التابوهات الأساسية: الجنس والسياسة والدين)، تكمن في موقف الآخرين الذين تفتقر عروضهم لتك النظافة، والذي يتزلزل بتلك الموافقات، فيظل صاحب مثل تلك العروض وحده، خارج الرقابة، وخارج الهامش البسيط من الدعم الذي تقدمه الدولة. كما يقول محمد عبد الفتاح عن أحد عروض فرقته، فرقة حاله "إذا شاهدته الرقابة ستقول أنه يمكن فقط للممثلين أن يخرجوا لتحية الجمهور، وكل ما هو قبل ذلك محذوف!"
في كتيب المهرجان الذي فيه معلومات عن الفرق والعروض المشاركة، كتبت رشا عبد المنعم رأيها في المسرح الحر، وأنه صيغة فنية أولاً ثم إنتاجية ثانياً.
ولكني أري أن الموضوع يجب أن يشمل فكرة الفرقة الحرة/المستقلة، وليس الحرية/الاستقلال فحسب. كلمة "الفرقة". فأغلب المخرجين العاملين تحت مسمي المستقل ليس لديهم فرقة بأي معني من المعاني المقترحة (أهمها: اتفاق اثنان علي الأقل علي صيغة فنية/مشروع، أو استمرار "أغلب" الأعضاء لأكثر من عرض، أو الاكتفاء الذاتي فنياً و/أو بشرياً). أقرب نماذج لمفهوم الفرقة في رأيي هي فرقة حالة لمحمد عبد الفتاح، والورشة لحسن الجريتلي (قبل حلها). ويليها فرقتي المسحراتي وأتيليه المسرح. أما فيم يتعلق بالاستقلالية، فلا أري أولوية لصيغة علي أخرى. لن تكون الفرقة مستقلة عندما يكون لديها صيغة فنية فقط (ولديها ممول، ربما له طيف في العرض) أو تمول نفسها ذاتياً فقط (وليس لديها مشروع). الاستقلال الفني في رأيي وعي، وربما لهذا السبب كان الاختلاف في تعريفه. ولأن المهرجان بعنوان "للفرق المسرحية المستقلة" كان ينبغي التنويه أن المخرج المستقل موضوع مختلف عن الفرقة المستقلة.
كل حركة، وكل جماعة، في رأيي، تستحق وضعها التي هي عليه. فلو لديها موارد أو إمكانيات أفضل لكان حالها أفضل. وإما أن تكون الأشياء والمواقف حقيقية أو لا يجب أن نتمناها أو نساندها. ولكني كتبت هذا الكلام، والذي هو مجرد وجهة نظر...ربما تستحق.
3 مارس 2008
7 Comments:
At 11:08 AM, la3lahakhier said…
السلام عليكم
انا ماليش فى افنون والمسرح والقصص دى بس اسم المدونة فظيع جدا
الراجل ده كانت قصته بتقبضنى جدا ومن صغرى وانا بفكر فيه
ومجرد التفكير فى حاله يرهق
تقبل مرورى
تحياتى
لعلها خير
At 3:00 AM, سيزيف مصري said…
مرحباً بك في أي وقت،
وهو الموضوع مش بس فن ومسرح، فاهتمامات سيزيف سيزيفية كمثله
وأشكرك علي مشاعرك، لكن ما باليد حيلة. علي أن حمل الصخرة "يهون" كثيراً بمرأي الأصدقاء والعابرين
مودتي
At 7:15 AM, مستقيل said…
سيزيف
انت فين يا راجل قربت تكمل شهر بعيد عن التدوين وحشتنا تدويناتك
At 7:56 AM, سيزيف مصري said…
شكراً يا صديقي علي السؤال
خلاص، عن قريب تنتهي رحلة الصخرة الحالية، لأعود وأتنفس ما أريد، قبل المواصلة من جديد،
عذراً، أحياناً ما تطول المسافة دون قصد
مودتي
At 3:05 AM, جفارا said…
علي فكرا انا كنت ضمن فاننين العرض اللي عجبك قلة ادب
مع المخرج عبد الخالق هو مخرج في نظري لية احترامة وهو كان زي الاخ الكبير بالظبت
بس انا سبت التمثيل والمسرح عشان لاقيت مفيش فيدة مش عارفين نقدم اللي عيزين نقدمه للناس
At 2:38 AM, سيزيف مصري said…
أهلا بيك
جيفار مات، وإنت بطلت مسرح، وهو ما عملشي حاجة عجبتني تاني، ورغم كده، لسه "الأماني" ممكنة، للي عايز يتمني
تحيتي
At 3:41 AM, جفارا said…
ممكن يكون فية امل
http://egyptionyouth.blogspot.com/
Post a Comment
<< Home